
تصوير محمد معروف
مقال الراحل محمد عبد العظيم من العدد الأول من أوراق اشتراكية
( )
فجعنا محمد برحيل مفاجئ ومقتضب. ولم نجد طريق تعبر عن حبنا له وامتناننا لاننا عرفناه وعملنا معه حين كان ناشطا في مركز الدراسات الاشتراكية وبعدها سوى أن ننشر المقال الذي ساهم به في صدور العدد الأول من مجلتنا أوراق اشتراكية- مارس2003- وداعا يا محمد
مسرح المقهورين وجدلية العلاقة بالسلطة
محمد عبد العظيم
كيف يمكن للمسرح أن يتجاوز دوره التقليدي بوصفه أداة للتسلية والمتعة إلى أدوار أكثر قدرة على تحريك قدرات البشر الكامنة؟ وهل نستطيع من خلال المسرح أن نزيح عن كاهل الفقراء والمعدمين هذا القهر المسيطر دوماً على أفعالهم والمتمثل فى حالة الإذعان للسلطة بأشكالها المتعددة؟ وهل يمكن أن نخرج فى النهاية برؤية لها طابعها التحريضي ولها من الاستفزاز الجمالي والمعرفي ما يدفع الجماهير للمشاركة فيها؟ وهل من الممكن أن يتحول المسرح إلى منبر سياسي يهدف إلى تغيير الأيديولوجية القائمة من خلال الجماهير؟ هذه التساؤلات وغيرها كانت هى المحرك الرئيس لقيام أغستو بوال بابتكار مجموعة من التقنيات التي حاول من خلالها طرح رؤية جديدة لدور المسرح الذى يحمل مضامين سياسية وأصبحت تُعرف بحركة مسرح المقهورين.
فلسفة مسرح المقهورين:
انطلقت تجربة مسرح المقهورين فى منتصف الستينيات من القرن الماضي تحديداً في البرازيل، ففي هذه البقعة من العالم التي كانت تموج بأوضاع سياسية متقلبة وثورات متلاحقة يعقبها امتلاك الدكتاتورية العسكرية لزمام الأمور وممارستها لأشكال من القمع السياسي والعسكري على مواطنيها، وفى هذا الجو القمعي استطاع بوال أن يبتكر آليات وتكنيكات لمسرح مغاير ومفارق للأشكال المسرحية الكلاسيكية. فقد كان متأثراً بمفكر لاهوت التحرير باولو فرايرى الذي شكل حركة واسعة ضد القهر والاضطهاد الذي كان يعانى منه أبناء الطبقات الدنيا من العمال والفلاحين فى أمريكا اللاتينية، وكانت فلسفة باولو فرايرى حول تعليم المقهورين هى المرشد الأول لانطلاقة بوال لابتكار مسرح المقهورين الذى يهدف إلى تحويل الواقع المتدني اجتماعياً وسياسياً (الواقع الصامت) إلى وعي وفعل سياسي. فالمسرح من وجهة نظره ليس أداة للتسلية والترفيه، وإنما هو آلية مهمة للتعليم والتحريض ورفض الواقع. وقد كانت تجربته كذلك مرتبطة بوعيه بالنظرية الماركسية حيث راهن كما يقول الناقد المسرحي "أثير السادة" (على جدلية التناقضات التي تعيشها الطبقة الكادحة لإفراز وعي سياسي لدى المتفرج وحمله على ممارسة الفعل الاجتماعي). وقد تأثر كذلك بمفهوم بريخت عن المسرح السياسي الذي رفض فكرة التطهير الأرسطي واستبدلها بعملية التحريض. والمتعمق في قراءة تجربة أغستو بوال يرى أنه قد تأثر بشكل أو بآخر بأفكار "هيجل" حول الاغتراب فقد كان يرى أن الجماهير تقع بين حالتين من الاغتراب الأولى هى اغتراب "الخضوع" التى تعني المجاراة الأتوماتيكية نتيجة ممارسة حالات القهر والقمع المنظم، والثانية هي اغتراب "الانفصال" الذي هو نتيجة مباشرة للخضوع حيث تنعزل الجماهير وتنفصل بذواتها عن كل ما حولها ويتم استبعادها وإقصاءها بحيث تركن فى النهاية إلى حالة من الصمت الذى هو أشد درجات القهر. بهذه الرؤية التي استقاها بوال من أفكار وفلسفات متعددة استطاع فى نهاية الأمر أن يصيغها فى شكل تجربة إبداعية هدفت إلى تصعيد الحالة الحوارية بين العرض والجمهور كأمر حتمى للخلاص من القهر. واستفاد في هذه التجربة من نظرية الحوار الثوري، حيث قدم بدائل راديكالية لعملية التغريب فى المسرح التى كانت تستخدم وسائل اللاحوار.
تقنيات مسرح المقهورين:
يركز مسرح المقهورين على الفعل أو الحدث ذاته فالمتفرج لا يسلم نفسه للشخوص الدرامية، بل يقوم بنفسه بدور البطولة فيغير من مجرى الحدث الدرامي، ويقترح الحلول ويناقش احتمالات التغيير، فهو لا يترك للممثل الفرصة ليفكر نيابة عنه، وإنما يحرر ذاته ويفكر لنفسه ثم يتحرك لترجمة الفكر إلى فعل.
ومن خلال هذه الرؤية فقد استطاعت حركة مسرح المقهورين أن تؤسس تقنيات أو أشكال لعملية التفاعل ما بين الجمهور والعرض منها مسرح التأليف الفوري حيث يتدخل المتفرج فى الحدث دون أن يستلزم ذلك وجوده المادى على المسرح، وهناك مسرح الصورة الرمزية حيث يصبح على المتفرج أن يدلى برأيه فى موضوع معين يهم الحاضرين ويناقشه معهم، وهناك مسرح الجريدة حيث يتم فيه تحويل أخبار الصحيفة اليومية إلى مادة درامية مشوقة، وهناك المسرح الخفى حيث لا يقدم العرض على المسرح وإنما فى بيئة غير مسرحية وأمام أناس لا يعرفون أن ما يقدم إليهم عرضاً مسرحياً، وهناك أنواع أخرى مثل مسرح حلبة النقاش والجوكر وغيرها من الأشكال التى تستخدم تقنيات متعددة إلا أنها في مجملها تهدف إلى مشاركة المتفرج فى العرض وأن يتحول من متلقي سلبي إلى فاعل فى العمل المسرحي.
ما بين نص السلطة، وسلطة النص:
انشغلت حركة مسرح المقهورين بالكيفية التى يمكن من خلالها المروق من سيطرة السلطة بمستوياتها المتعددة للوصول إلى الجماهير والتواصل الفعال معها، لذا فقد ووجهت بإشكاليتين الأولى تتعلق بوجود سلطة قمعية تحاول تمرير خطابها من خلال وسائل متعددة من بينها المسرح بهدف احتواء الجماهير وتغييبها ومنع أى بادرة للتغيير، أما الإشكالية الثانية فهي سلطة النص ذاته بما يحمله من مضامين وأشكال تصب فى النهاية إلى تعميق حالة الصمت لدى الجماهير بوصفهم ليسوا أكثر من مجموعة من "المتفرجين". وقد قاومت الحركة هاتين السلطتين وذلك عن طريق تجاوز المفهومات الكلاسيكية ذات المضامين المعوقة للتغيير بحيث نفذوا لموضوعات الحياة اليومية التي تهم البسطاء والمهمشون، واستطاعوا من خلال تقنياتهم الجديدة أن يزيحوا سلطة النص جانباً لتصبح البطولة للمتفرج الذي لم يعد متفرجاً.
هذه التجربة الخاصة بمسرح المقهورين في حاجة إلى قراءة المهتمين بالمسرح، لما لها من أهمية في واقعنا الذي تسيطر عليه آليات الصمت واللاحوار، فعلى الرغم من انجذاب عدد كبير من المسرحيين من شتى بقاع العالم لهذه التجربة، فإن الواقع المسرحي لدينا لا يفصح إلا عن وجود عدد ضئيل من التجارب التى تستخدم تقنيات مسرح المقهورين، وعلينا أن نتساءل عن خفوت النزعة التحريضية فى تجاربنا المسرحية فهل يرجع ذلك لغياب الممارسة النقدية الفاعلة، أم لقصور القدرة الإبداعية للعروض التى لا تثير إشكاليات وتساؤلات مستفزة تجعلنا نتحرك قليلاً لننفض عنا غبار الصمت والقهر.

