
تصوير محمد معروف
كتيب الاشتراكية التي ندافع عنها
الاشتراكية التي ندافع عنها
رؤية التيار الاشتراكي الثوري لتغيير مصر
مارس 2006
2. إجابة الحكّام: "أنتم السبب أيها الفقراء"!
3. إجابة الرأسماليين:"مزيد من الرأسمالية"!
6. الليبرالية الجديدة والإمبريالية الجديدة
7. النظام والإمبريالية والرأسماليين
10. بدائل الخروج من الأزمة: القوميون
11. بدائل الخروج من الأزمة: الإسلاميون
12. بديل التغيير الجماهيري: درس أمريكا اللاتينية
13. بديل التغيير الجماهيري: ومصر أيضا قادرة على إعطاء الدروس
16. الاشتراكية التي ندافع عنها
1. أسئلة
· مَن يطرد العمال من مصانعهم؟ مَن يخفّض أجورهم؟
· لماذا يزيد فقر الفلاحين وبؤسهم؟
· كيف نفهم التزامن العجيب بين بطالة الكبار وعمالة الأطفال؟
· لمصلحة من تتعاون مصر مع إسرائيل؟
· من يستفيد من العلاقة الإستراتيجية الحميمة مع الولايات المتحدة؟
· أي قوة تقف وراء إخطبوط الفساد والمحسوبية؟
· لماذا يتسرب الفقراء من التعليم؟ لماذا لا يجدون الرعاية الصحية حتى في حدودها الدنيا؟
· ومن بالضبط الذي تحميه ديكتاتورية مبارك بجهازها القمعي المهول وآلة تعذيبها الوحشية ومخبريها المندسين في كل مكان؟
· هذه أسئلة ملّحة تحتاج إلى إجابة. فعلى حسب الإجابة يمكننا أن نحدد ما هو المخرج من بؤس أوضاعنا وتدهور أحوالنا.
2. إجابة الحكّام: "أنتم السبب أيها الفقراء"!
رجال السلطة، وعلى رأسهم مبارك طبعا، لديهم تفسير "بسيط جدا" للكساد والفقر والبؤس الذين نعيش فيهم. التفسير يمضي على النحو الآتي: الفقر سببه نقص الوعي الذي يدفع الفقراء، بسبب جهلهم، إلى الإكثار من الإنجاب، وهو ما يؤدي إلى زيادة سكانية هائلة تبتلع كل "المجهودات التنموية العظيمة" للحكومة ورجال الأعمال.
هذا التفسير ليس بجديد. فهناك عالم اقتصاد اسمه "توماس مالتوس" عاش منذ قرنين من الزمان دافع عن نظرية ترى أن السكان يتزايدون بمعدل أعلى من الزيادة في الموارد، وتتنبأ أنه بعد فترة من الزمن، إذا لم يوضع حد للزيادة السكانية، سوف تحدث كوارث ومجاعات بسبب الخلل بين السكان والموارد.
تنبع أهمية مناقشة هذا التفسير من أنه مقنع للكثيرين. بل أن بعضنا يعتبره بديهية، بالرغم من أنه يمكننا القول بضمير مستريح أنه ليس أكثر من تدليس فكري.
فصحيح أن موارد مصر، والكون كله، هي في النهاية محدودة. لكن التطور التكنولوجي وطريقة استخدام الموارد مسألة حاسمة. فقد أصبح التقدم التكنولوجي هائلا إلى درجة تسمح بتحقيق معدلات نمو عالية جدا تساوي وتزيد عن معدلات النمو السكاني.
فإذا فرضنا أن معدل النمو السكاني قد وصل لدينا إلى رقم فلكي هو 3% سنويا، (في الحقيقة معدل النمو السكاني في مصر لم يزد في عام (2005) عن 1.78%)، فإنه إذا تم تحقيق معدل نمو اقتصادي 10% في السنة، وهو معدل تحققه الصين الآن وكانت تحقق أعلى منه في سنوات سابقة، فإن استيعاب الزيادة السكانية وتلبية احتياجات البشر في المأكل والملبس والمسكن، بل وتحقيق فائض، يصبح أمرا ممكنا للغاية.
ولكن تحقيق النمو المستمر طويل الأجل في ظل النظام الرأسمالي الذي ابتلينا به أصبح في المرحلة الأخيرة من تطور الاقتصاد العالمي أمرا شبه مستحيل. السبب هو أن الأزمات الدورية التي تصيب هذا النظام بشكل شبه منتظم، وصلت في معدل تكرارها في العقود الأخيرة إلى درجة خطيرة أدت إلى إبطاء النمو العالمي بشكل ملحوظ.
النظام الرأسمالي يقوم عامة على قاعدة أساسية، هي أن الدافع وراء النشاط الاقتصادي هو تحقيق الأرباح للرأسماليين وليس تلبية الاحتياجات الأساسية للبشر. يستثمر الرأسمالي وينتج لأنه يتوقع أرباحا، وليس لأنه يريد "إسعاد البشرية". ومن ثم فهو لا يكترث بأن فقراء أفريقيا جنوب الصحراء يحتاجون إلى أدوية لعلاج مرض الإيدز طالما أنهم لا يمتلكون الأموال الكافية لشراء تلك الأدوية، بينما يكترث باحتياج نساء الطبقات الثرية إلى مجوهرات ثمينة، طالما أنهن تمتلكن الرصيد المالي الكافي لشراء تلك المجوهرات! هذا ما يُطلق عليه بعض الاقتصاديين "الطلب الفعّال"، أي الطلب المدعوم بالقدرة المالية على شراء السلعة.
هذه الطبيعة المتفردة للنظام الرأسمالي تؤدي إلى جعل التسابق بين الرأسماليين على تخفيض التكاليف الإنتاجية (من خلال زيادة استغلال العمال)، والتزاحم بينهم على مجالات الاستثمار والأسواق، خاصية جوهرية للنظام. كل رأسمالي يريد أن يزيد أرباحه بغض النظر عن مدى تأثر مصالح المجتمع، أو الرأسماليين الآخرين، بما يفعله. وفي سياق المنافسة التي لا تنتهي بين الرأسماليين تتولد الأزمات الاقتصادية التي تنتج عن تكالبهم على الاستثمار في القطاعات الاقتصادية التي ترتفع فيها معدلات الأرباح، وهو ما يؤدي إلى زيادة العرض عن الطلب في تلك القطاعات، ومن ثم إلى ركود البضاعة وإفلاس الرأسماليين وانهيار الاقتصاد.
ولأن مصر دولة رأسمالية، فإن كل تلك القوانين تسري عليها. فالأزمة الاقتصادية التي ضربت الاقتصاد المصري في عام 1998 حدثت لعدد من الأسباب، من أهمها أن المستثمرين في قطاع العقارات تكالبوا على بناء المدن الجديدة والعمارات الفخمة إلى حد أن المعروض تجاوز الطلب، ومن ثم انهار القطاع، مما أدى إلى فشل المستثمرين في دفع ديونهم للبنوك، وإلى تأزم الاقتصاد كله. كل هذا حدث "فقط" لأن مصالح حفنة من الأغنياء هي التي تحكمت في ثروة المجتمع وموارده وقراراته الاقتصادية.
ولكن مصر أيضاً تنتمي إلى فئة البلدان المتأخرة اقتصاديا، أي التي لم تصل بعد إلى مستوى تطور اقتصادي تستطيع معه أن تدخل حلبة المنافسة العالمية. وهذا ما يضاعف المشكلة. فالمشكلة لدينا ليست فقط في تتابع الركود والانتعاش في دورات لا تنتهي، ولكن أيضاً في الانخفاض المزمن لمستوى التطور الاقتصادي، بل وتراجعه.
هذا بالضبط ما يدفع السلطة والرأسماليين في مصر إلى إتباع سياسات وحشية لا تراعي أي شيء في طريقها. فهؤلاء يريدون "اللحاق" بالأسواق العالمية التي ضاقت كثيراً وأصبح من الصعب اختراقها في السنوات الأخيرة. وهذا يقتضي أن يمارسوا استغلالا بشعا ضد العمال حتى يتمكنوا من تخفيض تكاليف الإنتاج لتصل إلى المستويات العالمية. هم يعتقدون أنهم بذلك سيتمكنون من غزو الأسواق. ولكن هذا أمر غير ممكن في ظل تاريخ الفشل الطويل الذي عاشته الرأسمالية المصرية على مدى قرن من الزمان أو يزيد.
ولكن حتى لو افترضنا أن مصر تحولت، بقدرة قادر، إلى صين أو سنغافورة أخرى، فإن التجربة تقول أن تلك الدول هي الأخرى، وبعد سنوات قد تطول من النمو، تدخل فجأة في أزمات تمسح في ثانية كل ما تمت مراكمته على مدى عشرات السنين. هذا بالضبط ما شهدنا نبذة منه في عام 1997 فيما أُطلق عليه الأزمة المالية لدول النمور الآسيوية. وهو أمر لم يحدث صدفة أو بسبب مؤامرة، ولكن كان مصدره طبيعة النظام الرأسمالي المتقلبة ذاتها، والطبيعة المأزومة لمرحلته الأخيرة.
من ناحية أخرى، فإن التصور الذي يرى في الزيادة السكانية السبب الرئيسي في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية يتجاهل الخلل في توزيع الموارد وطريقة استخدام التكنولوجيا. فإذا كنا نتحدث عن نظام يعمل بشكل عشوائي والسيطرة فيه لحفنة من الرأسماليين تقوم بتوجيه الموارد والتكنولوجيا بالشكل الذي يخدم مصالحها، فمن الطبيعي أن تكون النتيجة هي بؤس الفقراء وثراء الأثرياء. فإذا تخيلنا أن مئات المليارات التي تُنفق على التسليح (تفوق ميزانية الدفاع في الولايات المتحدة وحدها 400 مليار دولار سنويا، والله أعلم ما هو الرقم بالضبط لدينا في مصر) قد تم استخدامها في إنتاج الغذاء والعلاج والمأوى من أجل الفقراء، فإنه يمكن تصور وضعاً مختلفا تماما عما نعيشه الآن.
وهناك تفسير ثاني، محبب أيضاً للحكام وكتّابهم، للأزمة التي نعيشها على مدى أكثر من ربع قرن. هذا التفسير سمته الأساسية أنه أكثر وقاحة، وهو يقول ببساطة أن الفقراء مسئولون عن فقرهم بسبب الكسل وعدم الرغبة في العمل.
هذا بالفعل تفسير يثير الغضب الشديد، لأن الواقع يشير إلى أن أكثر الناس فقرا هم أكثرهم عملا. فكيف نصف بالكسل طفلاً يعمل نحو عشر ساعات يومياً، أو امرأة تعمل أكثر من أربع عشرة ساعة في اليوم ما بين العمل الحكومي نصف اليوم والخدمة في المنازل في النصف الثاني من اليوم؟ وكيف نصف بالنشاط أبناء الرأسماليين الكبار لدينا الذين يقضون أيامهم في الحفلات والرحلات والسهرات التي نسمع أنهم يصرفون في كل واحدة منها آلاف الجنيهات؟ ألا تعتبر هذه وقاحة زائدة بعض الشيء؟!
على أية حال، ليست هذه الإجابات والتفسيرات هي كل ما لدى الطبقة الحاكمة وأنصارها. هناك المزيد الذي سنذكره لكم حالا.
3. إجابة الرأسماليين:"مزيد من الرأسمالية"!
الرأسماليون المصريون دائما ما يطرحون أن مشكلة مصر هي أنها ليست رأسمالية بما فيه الكفاية! فكل المصانع والخدمات لم تخصخص بعد؛ ودعم الفقراء لا تزال له بقية؛ والسيطرة الكاملة لرأس المال والرأسماليين لم تتحقق بعد؛ أما البيروقراطية الحكومية فلا زال لها يد في اتخاذ القرار الاقتصادي.
طبعا نحن نعلم ماذا يشتكي منه هؤلاء. هم يريدون بيع كل شيء لرجال الأعمال، أي لأنفسهم! يريدون بيع المؤسسات التي تنتج وتوزع خدمات عامة أساسية كالمياه والكهرباء والغاز والتليفونات والسكك الحديدية. يريدون بيع كل المصانع والشركات العامة. ويريدون تحويل كل شيء، بما فيها البشر، إلى سلعة في أسواق "حرة" لا تعترض طريقها أي عقبات.
الفكرة التي يريدون أن يقنعونا بها هي أن هذه السياسة – التي يسمونها "الليبرالية الجديدة" أو "العولمة" أو "السوق الحر" – سوف تُشجع الرأسماليين المصريين والأجانب على الاستثمار، وسوف تُزيد بالتالي الطلب على العمالة، ومن ثم ستقل البطالة وترتفع الدخول وينتعش الاقتصاد وتتحسن أحوال الجميع. المنطق هنا أن مصالح الرأسماليين متطابقة مع مصالح الكادحين وانتعاش أصحاب الأعمال يؤدي بالضرورة إلى انتعاش أحوال العمال.
أصحاب هذا المنطق هم الآن مسيطرون تقريبا على السلطة في مصر وفي معظم أنحاء العالم. فالحكومة تخصخص المصانع والخدمات منذ عشر سنوات أو أكثر. والدعم يتضاءل نسبياً عاماً وراء عام. والأسعار تتحدد وفقا للعرض والطلب. والالتزام بتعيين الخريجين أصبح ذكرى قديمة. وقوانين الاستثمار تحرر رجال الأعمال من كل قيد أو رقابة. والتعليم المجاني يتقلص لمصلحة المدارس والجامعات الخاصة وأقسام التعليم الأجنبي في الجامعات العامة ولمصلحة الدروس الخصوصية والمصاريف التحتية والمجموعات الإجبارية. ومؤسسات الخدمات الصحية العامة تتراجع كما وكيفا – باختصار قوانين السوق "الحرة" أصبحت هي السائدة، أو تكاد، في كل مجال. فماذا كانت النتيجة؟
يستطيع كل مطّّلع على أحوال هذا البلد أن يرى النتيجة بنفسه. الأسعار أصبحت نار. معدلات البطالة تزيد كل صباح. مستويات الفقر تتصاعد عاماً وراء عام. تفاليس صغار التجار وصلت لنسب فلكية. أحوال النساء في تدهور. اضطهاد الأقباط يهدد بانفجار وشيك. وديكتاتورية مبارك، الغارقة حتى رأسها في مستنقع الفساد، تواصل قمعها وألاعيبها وحمايتها لحفنة الرأسماليين الاحتكاريين.
الليبرالية الجديدة إذن لم تكن العلاج الذي أنقذ المريض من الموت! الليبرالية الجديدة، على العكس، كانت سما خطيرا ضاعف المصيبة وحوّل الأزمة إلى كارثة. ومع ذلك فإن هناك من يصر على أننا نحتاج المزيد!
4. منطق الليبرالية الجديدة
قبل أن نعطي الدليل بالأرقام على أن الليبرالية الجديدة أوصلتنا إلى الكارثة التي نعيش فيها، دعونا نسأل أنفسنا أولا ما هي تلك الليبرالية؟ وما الجديد فيها؟
الليبرالية الجديدة هي سياسة ظهرت بداياتها في منتصف السبعينات، وتبنتها حكومات غربية كبرى في آخرها، وتحولت إلى سياسة عالمية في الثمانينات والتسعينات. وهي بالتأكيد لم تُبتكر لحل أزمات الفقراء. على العكس، الليبراليون الجدد كانت مهمتهم أن يقدموا وصفة لإنقاذ الرأسمالية المأزومة في معظم بلدان العالم. جوهر هذه الوصفة هو زيادة معدلات استغلال الكادحين والفقراء لإنقاذ أرباح رجال الأعمال!
حتى مطلع السبعينات كانت العادة في كثير من بلدان العالم هي أن التعليم والخدمات الصحية يُقدمان لمعظم السكان بالمجان، وأن توفير العمل (أو معونة بطالة مناسبة) التزام على الحكومات، وأن المعاشات المجزية نسبياً حق لكل العاملين عند سن معين، وأن الخدمات العامة مجانية ومتوفرة، وأن كثير من السلع والخدمات مدعومة، وأن الأجور كافية.
لم يكن هذا يعني أنه قد تم القضاء على الاستغلال أو الفقر. ولكنه كان يعني أن توزيع الدخل كان أكثر توازنا، وأن الدولة كانت تلعب دوراً هاماً لمصلحة الطبقات الأكثر فقرا.
ارتبطت هذه السياسة – التي أسمتها بعض البلدان "سياسات الرفاهة" وأسمتها بلدان أخرى خطأ "الاشتراكية" – بانتعاش الرأسمالية العالمية وبالارتفاع النسبي لمعدلات الأرباح. الأرباح الكثيرة والوفيرة سمحت للرأسماليين (وللدول الرأسمالية) بإعطاء الفتات للفقراء في صورة دعم وأجور معقولة وخدمات عامة مجانية واسعة الانتشار.
فلما أتت السبعينات وعادت الأزمة الاقتصادية من جديد، بدأت الدول الرأسمالية في التفكير في حل لأزماتها. هنا ظهرت الليبرالية الجديدة وسيطرت كفكرة تبنتها الحكومات الرأسمالية في معظم أنحاء العالم كوسيلة لحل أزمة تراجع معدلات النمو. الحل الليبرالي الجديد كان يقول أنه من الضروري تقليص، والأحسن تقريبا إلغاء، تلك النسبة من الدخل القومي المخصصة لتحسين أحوال الفقراء والكادحين: لا داعي لدعم السلع؛ لا داعي للتسعير الإجباري بأسعار أقل من السوق العالمي؛ لا داعي لضمان الوظائف؛ لا داعي للمعاشات مرتفعة؛ لا داعي للخدمات العامة المجانية .. وهلم جرا.
على الوجه المقابل، دافعت الليبرالية الجديدة عن دعم الأغنياء: لابد من تقليل الضرائب على أرباح الرأسماليين؛ لابد من تقليل الضرائب على ثروات الأثرياء؛ لابد من إعطاء أصحاب الأعمال فرصة لطرد العمالة إذا اقتضت الظروف الاقتصادية ذلك؛ لابد من السماح لهم بتشغيل العمال أوقات أكثر بضمانات أقل .. وهكذا.
من هنا فإن نجاح الحل الليبرالي الجديد كان يتضمن بالضرورة إفقار الفقراء وإثراء الأثرياء. وفي مصر ومثيلاتها من البلدان الرأسمالية الأكثر تأخرا، فإن قسوة الجرعة المطلوبة من الليبرالية الجديدة كانت كبيرة، لأنها كان لابد أن تساوي صعوبة المهمة المطلوبة من رأسمالية تلك البلدان. فبمقدار ما كانت الفجوة في التطور بين دولة كمصر والدول الأكثر تقدما هائلة، بمقدار ما كانت معدلات اعتصار العمال وكل الفقراء هائلة. الرأسمالية المصرية كان مطلوبا منها أن تقطع من اللحم الحي للعمال حتى تستطيع أن تنافس التنين الصيني الذي يبيع سلعه في أسواقنا بأسعار لا يصدق أحد انخفاضها!
المفارقة أن الاعتصار المذهل لمن يعملون ليل نهار لا يؤدي بالضرورة إلى إنعاش الرأسمالية! رجال حكومة نظيف، الذين يقف ورائهم جمال مبارك صديق رجال البيزنيس الصدوق، أتوا إلى الوزارة بفكرة أننا نحتاج إلى مزيد من الاعتصار حتى ننطلق إلى الأمام. لكن هذه فكرة ساذجة.
فليست أجور العمال فقط هي التي تحدد جاذبية دولة ما في السوق العالمي. ربما ينجح جبابرة رأس المال في مصر في النزول بسعر البشر إلى التراب. لكن هل سيكون السوق العالمي مؤهلا لاستقبال قادم جديد في ظل مؤشرات الكساد والتقلب في الأسواق العالمية؟ هل سينجحون في إعداد عامل ذو صحة جيدة؟ هل سينجحون في توفير عمالة مدربة ومتعلمة؟ هل سينجحون في حل مشاكل الفساد والبيروقراطية؟ هل سيستطيعون توفير الاستقرار الإقليمي المطلوب لاستثمارات طويلة الأجل؟ وهل سينجحون في منع انتفاضة جماهيرية ربما تنفجر بالضبط بسبب ممارستهم للاعتصار اليومي لأغلبية الشعب بدءا من طبقته الوسطى ونزولا حتى أفقر فقرائه؟
5. واقع الليبرالية الجديدة
منطق الليبرالية الجديدة تم تطبيقه في مصر على مدى ثلاثين عاما أو أكثر، منذ انفتاح السادات. وكانت النتيجة أننا جميعا نشعر أن مصر تمر حاليا بأزمة لم تشهدها منذ سنوات طويلة، وأن الفقر والبطالة والفساد والفجوة بين الفقراء والأغنياء قد بلغت مستويات ربما لم يكن من الممكن أن نتصورها قبل سنوات قليلة.
إذا أردنا أن نقدم صورة عن أحوال المصريين في هذه اللحظة، فسوف نجد أنها تعكس بؤساً يدعو إلى الحسرة. فعدد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، أي يحصلون على أقل من دولارين في اليوم (وهو ما يساوي حوالي من 11 إلى 12 جنيها مصرياً) يتراوح بين 35 و48 مليون نسمة (وفقا لتقديرات متباينة من البنك الدولي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة). أما من يعيشون في فقر مدقع، أي من يبلغ دخلهم أقل من دولار في اليوم(حوالي 5.8 جنيها في اليوم أو 174 جنيها شهريا)فيبلغ عددهم 5.2 مليون شخص (وفقا لتقرير الأمم المتحدة للتنمية الإدارية). ويعاني 30% من أطفال الفقراء من التقزم و54% منهم من الأنيميا.أما مستوى معيشة المصريين، فهو يشهد انخفاضا حادا. حيث يوجد 5.5 مليون موظف رواتبهم ثابتة منذ عام 1980.
وفي الجانب الآخر من الصورة، نجد أن مصر بها شخص واحد، هو أنسي ساويرس، بلغت ثروته في بداية عام (2006) 4.8 مليار دولار. وفي الوقت الذي نجد فيه مليون شخص يحصلون فقط على معاش للضمان الاجتماعي تبلغ قيمته 50 جنيها شهريا، فإن الإنفاق على ليلة رأس السنة يبلغ سنويا 6.3 مليار جنيها، ويصل متوسط إنفاق الفرد من طبقة الأثرياء في هذه الليلة بين 20 و30 ألف جنيها.
وإذا ما نظرنا إلى أوضاع الإسكان في مصر، فإن الصورة لا تقل بؤسا. فوفقا لتقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، هناك 12 مليون مصري يعيشون في العراء، في العشش الصفيح والجراجات والمساجد والمقابر وتحت السلم. ويعيش في مقابر القاهرة وحدها 1.5 مليون شخص، بينما يعيش في عشوائيات القاهرة والجيزة والإسكندرية 4.5 مليون شخص، معظمهم مصابون بأمراض الصدر والحساسية والأنيميا والأمراض الجلدية. كما أن نسبة 50% من المنازل في الصعيد بلا صرف صحي. ولا تصل مياه الشرب إلى 6.8 مليون شخص على الأقل.
وعلى الجانب الآخر نجد أنه توجد مليوني شقة مغلقة. وقد وصل ثمن الشاليه في قرية مارينا في الساحل الشمالي إلى 4،5 مليون جنيه، وذلك خلال مزاد أجري في بداية عام 2006.
وفيما يتعلق بالعمالة، يبلغ عدد العاطلين في مصر نحو 7 مليون شخص أوصلتهم البطالة واليأس إلى حد أنهم يرتكبون 40% من جرائم القتل، و71% من جرائم سرقة السيارات، و60% من جرائم السطو، و80% من الجرائم العائلية.
وفي الوقت نفسه، نجد أن عمالة الأطفال الذين يتراوح عمرهم بين 6 و14 سنة تقترب من الـ3 مليون طفل(بالتحديد 2 مليون و786 ألف طفل وفقاً لتقديرات مسح قام به الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بالتعاون مع المجلس القومي للأمومة والطفولة). ويبلغ متوسط عدد ساعات العمل بالنسبة لهؤلاء الأطفال تسع ساعات يوميا ويعملون ستة أيام في الأسبوع. وقد تبين (من خلال مسح آخر قام به الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء) أن الأغلبية الكاسحة من الأطفال العاملين يعملون بصورة غير رسمية وبدون بطاقات عمل أو شهادات صحية، مما يعنى أنهم لا يتمتعون بأي حماية قانونية، وأن ثلثهم يعانون من المعاملة السيئة والعديد من أشكال العنف من أصحاب العمل والمشرفين عليهم.
ويبلغ عدد الأطفال المتسربين من التعليم الأساسي 1.8 مليون طفل. وهناك نحو 21 مليون أمي في مصر. وفي الوقت نفسه، نجد أن مصاريف التعليم في مدارس الأغنياء تتراوح بين 10 آلاف و30 ألف جنيه سنويا.
وفي الوقت الذي وصلت تكلفة أفراح الأغنياء إلى ما بين مليونين وخمسة ملايين من الجنيهات، فإن هناك 9 ملايين ممن تجاوزا سن الخامسة والثلاثين دون زواج (وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء).
على جانب آخر، ظلت الدولة على مدى أكثر من ثلاثين عاما تقدم المزيد والمزيد من الضمانات للرأسمالية، وبالرغم من هذا ظلت الأزمة تزيد وأحوال الفقراء تسوء. ففي عام (1974) صدرت قوانين تنشيط رأس المال العربي والأجنبي المعروفة بقوانين الانفتاح والتي تضمنت إعفاء المشروعات الأجنبية من الضرائب لمدة عشر سنوات والسماح بتصدير الأرباح للخارج وإنشاء شركات مشتركة مساهمة مع القطاع العام.
وفي ظل الاتفاق الذي تم مع صندوق النقد الدولي عام 1991، بعد حرب الخليج الأولى، صدر قانون قطاع الأعمال العام الذي يسمح ببيع الشركات العامة التي كان من المفترض أنها مملوكة للشعب. ومنذ صدور القانون تمت خصخصة عشرات الشركات العامة، وتم التخلص من نحو مليون عامل كانوا يعملون في وحدات القطاع العام. حيث انخفض عدد العمال من 1.2 مليون عامل إلى 250 ألف عامل، سواء بالفصل المباشر كما حدث مع العمالة المؤقتة، أو بسبب سياسة المعاش المبكر التي واكبتها سياسة منظمة لـ"تطفيش" العمال عن طريق سحب الامتيازات التي كانوا يحصلون عليها مثل الأجر الإضافي والإجازات والحوافز والرعاية الصحية.
ثم جاء قانون تحرير إيجارات الأراضي الزراعية لعام 1992 الذي تم تطبيقه عام 1997 ليسمح للمالك بالحرية المطلقة في التصرف في الأرض. وجاء بعده قانون العمل الموحد الذي أُقر سنه 2003 ليلغي ضمان العمل ويسمح لأصحاب العمل بفصل العمال دون أي قيود، ويفرض في نفس الوقت قيوداً على حق الإضراب تجعل منه أمراً شبه مستحيل.
وخلال العام الماضي، تم إقرار قانون الضرائب الذي خفّض الضريبة على الأرباح من 40% إلى 20%.
وبغض النظر عن محاباة الرأسماليين بالقوانين، فإن انحياز الدولة إليهم بأجهزتها الأمنية والإدارية ليس هناك مجال لإنكاره. فبداية، تتغاضي الأجهزة الحكومية عن إخلال أصحاب العمل بالشروط القانونية للتأمين على العمال وعدد ساعات العمل وتوَفر المناخ الصحي والآمن لهم. ومن جهة أخرى، تقف أجهزة الدولة الأمنية بحسم ووحشية ضد تحركات العمال سواء كانت إضرابات أو اعتصامات أو أي نوع من الاحتجاجات. وهذا كله ليس مرضيا لرجال الأعمال. إذ لا زالوا يطالبون بـ"تحسين" أحوالهم وإلغاء العقبات التي تقف أمام ازدهار شركاتهم!
هذه اللمحة السريعة عن أحوال مصر في القرن الحادي والعشرين تؤكد لنا أن الليبرالية الجديدة قتلت في كادحي هذا الشعب كل أمل في المستقبل. كل من كانت لديه أوهام في سياسات الخصخصة وفتح الأسواق قبل عشر سنوات، من الأكيد أنه تعلم اليوم أن هذه السياسة ليست محايدة أو بريئة، وإنما هي تخدم مصلحة طبقة معينة اسمها طبقة الرأسماليين والحكام.
6. الليبرالية الجديدة والإمبريالية الجديدة
الليبرالية الجديدة لم يكن معناها فقط الفقر والبطالة، ولكنها أيضا كانت تعني الارتباط بمصالح الدول الاستعمارية الكبرى. ففي مصر، وفي العديد من البلدان الشبيهة، ترى الطبقات الرأسمالية الجديدة الصاعدة أن مصالحها تكمن في التحالف الاستراتيجي مع الإمبريالية الأمريكية.
انظر مثلا إلى الأزمة العراقية وتطوراتها. لا شك أن بعض الرأسماليين المصريين كانوا قد استفادوا من تقارب العلاقات مع العراق في ظل صدام في أواخر سنوات الحصار الدولي الطويلة. ففي ظل برنامج "النفط مقابل الغذاء"، ولأن صدام حسين أراد مد الجسور مع مصر، حقق عدد من التجار الكبار أرباحاً وفيرة من تصدير السلع إلى العراق. وصل الأمر ببعض هؤلاء التجار الرأسماليين إلى درجة تمويل رحلات تضامنية مع الشعب العراقي ضد الحصار!
لكن عندما ظهر أن الولايات المتحدة مقبلة لا محالة على غزو العراق، غيّر كثير من الرأسماليين الاتجاه ودافعوا عن ضرورة أن تشارك مصر بفاعلية في الحلف الأمريكي. صحيح أن هؤلاء كانوا يستفيدون من صدام ورشاويه التجارية. لكن إذا كانت القوة الأكبر في العالم قد قررت أن تقضي على هذا النظام، فإن "العقلانية" تعني أن تؤيدها حتى تستطيع أن تحصل على حصة من السوق العراقي بعد أن يهدأ غبار الحرب والتدمير!
كثير من الرأسماليين المصريين الكبار كانوا غاضبين من النظام الحاكم لأنه لم يستجب لهذا المنطق بالدرجة الكافية! هم كانوا يرون أن مصلحتهم تكمن في توسيع الأسواق وفي الحصول على تسهيلات وتفضيلات تجارية. وهم كانوا يعلمون أن مفتاح كل هذا في يد الولايات المتحدة لأنها أكبر وأقوى رأسمالي في العالم. لذلك فهم لم يفهموا أن تتلكأ السياسة المصرية في الاستجابة لمطالب الولايات المتحدة بخصوص عملية السلام أو الأزمة العراقية. إذا كان المدخل للأسواق العالمية هو التحالف مع إسرائيل وقمع الانتفاضة، فلماذا لا ننفذ وبسرعة؟ هكذا كانوا يتساءلون. إذا كان الشرط للحصول على حصة من صفقة إعادة إعمار العراق هو تأييد الحكومة العميلة والمساهمة في تحطيم المقاومة، فلماذا لا نفعل ذلك وبكفاءة؟ هكذا كانوا يتعجبون.
وعلى الرغم من أن بعض الناس يرون أن الرأسمالية المصرية الكبيرة تؤيد الولايات المتحدة بحماس لأنها مجرد عميل ذليل تابع للإمبريالية – مجرد صورة باهتة للأصل في واشنطن – فإن هذا ليس حقيقيا. بالطبع الرأسمالية المصرية أضعف كثيرا من الإمبريالية الأمريكية. الأمريكيون يمكنهم أن يفرضوا إرادتهم على العالم بقوة السلاح. أما المصريون فبالقطع لا يستطيعون ذلك. لكنهم بالرغم من ذلك ليسوا مجرد ذيول أو صور باهتة. هم لهم مصالحهم الخاصة. ومصالحهم، كغيرهم من الرأسماليين، هي الربح الوفير. وبالنسبة لهم الربح الوفير يكمن في تدفق الاستثمارات العالمية وفي فتح الأسواق، وكلاهما يتطلب التحالف الاستراتيجي المتين مع أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم. ولكن هذا لا يمنع أن مصالحهم – أي أرباحهم – تتعارض أحيانا مع مصالح الولايات المتحدة. فعندما كان صدام المغضوب عليه مصدرا للربح، لم يتوان الكثيرون منهم عن السعي بقوة للحصول على حصة من هذا الربح، بغض النظر عن غضب أمريكا!
ولا يعني هذا أيضا أن مصالح كل الرأسماليين المصريين واحدة. هذا غير صحيح. الرأسماليون، كما يقال عنهم عن حق، هم "جماعة من الأخوة الأعداء". فالرأسمالي الذي تأتي أرباحه من التجارة مع روسيا أو الاتحاد الأوروبي لا تتطابق مصالحه مع الرأسمالي الذي تأتي أرباحه من الصناعة في مصر. لكن تبقى حقيقة هامة: أن القطاع السائد من الرأسماليين الكبار يرى في الليبرالية الجديدة، وفي التحالف مع الولايات المتحدة وتبني مواقفها، ضرورة لحل مأزق الرأسمالية المصرية.
الإمبريالية الأمريكية على الوجه المقابل ترى في طبقة الرأسماليين المصريين حليفا مهما. فبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وبعد أن خلت الساحة للقطب الأمريكي الأوحد، رأت الولايات المتحدة أن الفرصة مناسبة لإعادة تشكيل العالم على حسب مصالحها. وفي السنوات الأخيرة بالذات، بدأت أمريكا في إتباع سياسة نشطة للقضاء على الأنظمة المعادية، وللضغط على الأنظمة غير المهادنة بالقدر الكافي. بدأت هذه السياسة منذ سنوات ووصلت إلى مداها بعد أحداث 11 سبتمبر التي مهدت الطريق لغزو أفغانستان والعراق. حيث أصبح الذراع العسكري أداة رئيسية لتحقيق المصالح الاقتصادية والإستراتيجية للإمبريالية الأكبر في العالم.
لكن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تحتل العالم كله. وحتى لو احتلته، فهي تحتاج إلى حلفاء محليين أقوياء قادرين على السيطرة وعلى إدارة البلاد بطريقة تتوافق مع المصلحة الأمريكية. القاعدة الطبقية للتحالف مع الإمبريالية الأمريكية عالميا، وفي مصر، هي الطبقة الرأسمالية الصاعدة والشرائح الأعلى من الطبقة الوسطى. هؤلاء يتبنون سياسة فتح الأسواق وتحرير التجارة؛ هؤلاء يتبنون بحماسة – لأسباب تخصهم – المشروع الأمريكي لدعم إسرائيل وقمع قوى التحرر العربية.
الليبرالية الجديدة إذن ليست مشروعا منفصلا عن الإمبريالية الجديدة. ليس هذا فقط لأن كليهما يجد جذور انتشاره وهيمنته في أزمة الرأسمالية العالمية وفي الفوضى الناتجة عن سقوط الاتحاد السوفيتي. ولكن لأن المشروعين متكاملان. رأسماليونا المحليون المتحمسون لسياسات الليبرالية الجديدة هم أيضا أكثر المتحمسين لإغلاق ملف القضية الفلسطينية ولفتح باب التعاون مع إسرائيل على مصراعيه. والمحافظون الجدد في أمريكا المؤيدون بجنون لشارون وخلفائه هم أيضا الساعون إلى رفع ممثلي الليبرالية الجديدة إلى السلطة في مصر.
7. النظام والإمبريالية والرأسماليين
نظام مبارك يفخر بتحالفه الاستراتيجي مع أمريكا، ويفخر أيضا بدعمه اللامحدود لرجال الأعمال والمستثمرين الرأسماليين. المبرر الرئيسي الذي يحاول مبارك أن يسوّق من خلاله ديكتاتوريته هو أنها ضرورية للاحتفاظ بمصر كقاعدة للإمبريالية وكرأس حربة في سياسات الليبرالية الجديدة: "الطوارئ مطلوبة لأنها تحمي البلد من أعداء السلام والنظام القائم"؛ "ترسانة القوانين المقيدة للحريات مفيدة لأنها تمنع وصول أعداء السلام وأمريكا والاستثمار من الوصول للسلطة".. وهكذا.
بالطبع ديكتاتورية مبارك قدمت أعظم الخدمات لأمريكا وللرأسماليين المصريين. كيف كان يمكن طرد مئات الآلاف من العمال من مصانع القطاع العام بدون الديكتاتورية؟ كيف كان يمكن سحب الدعم تدريجياً ورفع الأسعار بدون الديكتاتورية؟ كيف كان يمكن طرد الفلاحين من أراضيهم بدون الديكتاتورية؟ كيف كان يمكن خوض حرب الخليج في 1991 بدون الديكتاتورية؟ كيف كان يمكن دعم إسرائيل والاحتفاظ بسفارة لها على النيل بدون الديكتاتورية؟ كيف كان يمكن احتواء الحركة الداعمة للانتفاضة الفلسطينية الثانية والمناهضة لغزو العراق بدون الديكتاتورية؟
دولة مبارك الديكتاتورية هي التي قادت مسيرة الليبرالية الجديدة في مصر. الرأسماليون الجدد، أمثال عز وساويرس وغيرهم، هم صناعة مبارك الخاصة. إذا كان مبارك نفسه يقول أن ثلثي وقته يذهب إلى عملية السلام والقضية الفلسطينية، فإنه يمكننا أن نضيف أن الثلث الثالث يذهب إلى التفكير في مصالح الرأسماليين (وهو يسميهم بالمستثمرين) من حيتان السوق الكبار. فعلى مدى ربع قرن ابتكر مبارك ورجاله كل حيلة وابتدعوا كل فكرة من أجل دعم الرأسماليين، خاصة حيتان السوق الكبار الذي أصبحوا كبارا بفضله وبفضل دولته.
لا عجب إذن أن مبارك وجد كل الدعم من الإمبريالية ومن الرأسماليين المصريين على مدى سنوات طوال. من الذي ساعد مبارك على البقاء في السلطة كل هذه السنوات؟ أليست هي المعونة الأمريكية التي يخصص معظمها لشراء الأسلحة التي لم تستخدم أبدا ضد إسرائيل بل استخدمت ضد العراق وضد الشعب المصري في يناير 1977 وفي أبريل 1986؟ من الذي درب رجال الشرطة المصريين على قتل الإسلاميين في الشوارع طوال التسعينات؟ أليسوا الأمريكيون ورجالهم في مكتب التحقيقات الفيدرالي؟ من الذي صدّر للنظام العصي المكهربة والعربات المجنزرة والملابس المجهزة لرجال القوات الخاصة؟ أليسوا هم الأمريكيون بموافقة الكونجرس الأمريكي؟
إذن، فلا يحق لأحد أبداً أن يقنعنا أن الخلافات "الصغيرة" الأخيرة بين مبارك والولايات المتحدة تدل على استقلالية القرار "الوطني" المصري. مبارك في السلطة لأنه يدعم مصالح طبقة معينة احتاجت قمعه لتمارس نهبها لعرق العمال وثروات البلاد. ولكنه أيضا في السلطة بفضل الولايات المتحدة التي أعطته المعونة والمال والعتاد ليقمع كل وأي معارضة. وهو لذلك يشعر "بدين كبير" للحليف الأمريكي يدفعه لأن يلعب أقذر الأدوار في قمع الانتفاضة الفلسطينية ودعم الاحتلال الأمريكي للعراق، حتى أن الأمر وصل إلى الركوع مستجدياً حتى يرضى الأمريكان والصهاينة عنه ليبقى في السلطة هو عائلته إلى أبد الآبدين.
8. جذور الأزمة
على أن تجربة التاريخ، التي تقول لنا أن الكبت يولّد الانفجار وأن الظلم يولد المقاومة، ليست بعيدة عن مصر. فالغضب الجماهيري الكامن ضد نظام مبارك، والذي رأينا بعضاً من مظاهره في سلسلة المظاهرات والنضالات العمالية والفلاحية والجماهيرية في السنوات الأخيرة، يجد جذوره العميقة في التطورات الاجتماعية في مصر خلال ربع القرن الأخير. ذلك أن مبارك، بالرغم من كل تردده ومحافظته، قاد "ثورة صامتة" في هذا البلد؛ ثورة أكبر حتى من تلك التي قادها كل من عبد الناصر والسادات على مدار سنوات حكمهما.
هل يمكن أن نتجاهل أن مبارك هو صانع الطبقة الرأسمالية الاحتكارية التي تملأ البلد الآن ضجيجاً؟ هل يمكن أن ننكر أن سياسات مبارك هي التي خلقت الشرائح الأكثر ثراءً من الطبقة الوسطى الجديدة (أولئك العاملون في البنوك الأجنبية والشركات العالمية والمؤسسات الرأسمالية الاحتكارية)؟ هل يمكن أن ننسى أنه في ظل مبارك تغيرت الطبقة العاملة تغيراً درامياً فظهرت عمالة القطاع الخاص في المدن الجديدة وفي غيرها، وتقلصت إلى أقل من الربع عمالة القطاع العام (وهو كان القطاع القائد لحركة العمال حتى آخر الثمانينات)، وبرزت عمالة الخدمات والعمالة النسائية؟ هل يمكن ألا نرى أن مبارك هو المسئول عن نمو العلاقات الرأسمالية في الريف بقوانينه وسياساته التي ألغت استمرارية العلاقات الإيجارية بين المالك والمستأجر الزراعيين وفتحت الزراعة لعلاقات السوق الحر؟
هذا التحول الطبقي الهائل الذي أوجدته سياسات مبارك، بسبب دعمه للرأسمالية ولليبرالية الجديدة، جعل من البنيان السياسي الديكتاتوري ثوبا ضيقا على المجتمع. فبعض الرأسماليين بدأوا ينزعجون من الوصاية الحكومية وأصبحت لديهم القدرة على الشكوى من تصاعد الأزمة ومن فشل النظام في حلها. أيضا عمال القطاع الخاص والمخصخص يتحركون في معارك يومية ليس للبنيان النقابي التقليدي القديم علاقة بها. كذلك، فلاحو الإصلاح الزراعي والمستأجرون الفقراء ينتفضون بين الحين والآخر ضد الطرد من الأراضي وضد تعسف الملاك بدون أن تكون هناك مؤسسات سياسية تمتص غضبهم وتحوله إلى مسارات آمنة (بالنسبة للنظام طبعا). أما الطلاب، فهم يرفضون ظلم الفلسطينيين وذبح العراقيين ويتظاهرون المرة تلو المرة، فلا يجدون مؤسسة واحدة (حزب أو جمعية أو اتحاد طلابي حقيقي) قادر على استيعاب حركتهم.. وهلم جرا.
موت السياسة في مصر وتخريب كل مؤسسة جماهيرية في هذا البلد، وهذان من انجازات عصر مبارك، خلقا فراغا سياسيا غير مسبوق. وقد قام جهاز الأمن بملء هذا الفراغ. صدق أو لا تصدق! الذين يتفاوضون في كثير من الإضرابات باسم العمال هم رجال مباحث أمن الدولة؛ الذين يديرون الحوارات مع الأقباط الثائرين هنا أو هناك هم رجال أمن الدولة؛ الذي يهرولون إلى القرى والنجوع لتهدئة الفلاحين هم رجال أمن الدولة ومعهم طراطير الحزب الحاكم ورجال المحليات المكروهين من الجميع.
هذا البلد فقد، بسبب الديكتاتورية، كل المؤسسات التي تحتاجها البرجوازية لامتصاص غضب الجماهير وكبحه في لحظات الأزمات. البرجوازية لا تحكم في أي بلد في العالم من خلال القمع فقط، حتى في أعتى الديكتاتوريات. لابد من وجود مؤسسات تخدم البرجوازية، ولكنها أيضا ذات جذور جماهيرية ومصداقية لدى قطاعات مهمة من الجماهير – مؤسسات كالنقابات الصفراء، الأحزاب الإصلاحية من مختلف الأنواع، الحركات السياسية المهادنة نسبيا، أو التنظيمات الشعبوية الجماهيرية على نمط "الاتحاد الاشتراكي العربي".
عندما تفقد البرجوازية هذه المؤسسات، فإن هذا يكون علامة خطر. صحيح أنه يعني أن النظام الحاكم لا يجد من ينافسه. لكنه أيضا يعني أن الحركة الجماهيرية لن تجد، إذا ما انفلت عقالها، من يستوعبها!
الجمود والفراغ السياسيان اللذان سيطرا على المشهد في مصر كان معناهما أن الطبقات الصاعدة والجديدة والمتغيرة تتحرك بعيدا عن أي رقابة برجوازية، عدا رقابة رجال الأمن. كان معناهما أن نظام الحكم في مصر ليس لديه صمام للأمان يحميه من أي هبة جماهيرية واسعة. وكان معناهما، في التحليل الأخير، أن البنيان السياسي في هذا البلد لم يعد يناسب التطورات الجديدة.
لم تكن هذه الحقيقة ذات أهمية عندما كان هناك تماسكا ودرجة ما من النجاح في أحوال وسياسات الطبقة الحاكمة. فالفراغ السياسي لا يصبح خطرا إلا عندما تتزايد الحركات الجماهيرية من أسفل، أو عندما تبرز الخلافات داخل أوساط الحكام والأثرياء فيحتاجون إلى وسيلة للحوار والحسم. لكن بما أن الأعوام الأخيرة هي أعوام أزمة وصراع، فإن المأزق أصبح ظاهراً للجميع.
الأزمة الاقتصادية منذ 1998 وحتى الآن والانتفاضة الفلسطينية تكفلا بتفجير المأزق. التناقض بين التغيير الطبقي الهائل، والجمود السياسي الرهيب، احتاج إلى زلزال ليصبح كارثة تشعر بها قطاعات متزايدة من الحكام والمعارضين. فلمّا استحكمت الأزمة الاقتصادية، ولمّا تصاعدت المناقشات حول السياسات والاختيارات، بدأت قطاعات من الطبقة الحاكمة في المطالبة بتغيير يفك الاحتقان ويوفر صماماً للأمان. ولما انفجرت الانتفاضة الفلسطينية ظهر كيف أن الفراغ السياسي يمكن أن يخلق وضعا تنفجر فيه حركة جماهيرية بلا ضابط أو رابط.
من ناحية أخرى، أظهرت هذه التطورات عجز الديكتاتورية برغم سطوتها. أظهرت كيف أن المارد من المحتمل أن يصيبه الشلل في وجه حركة جماهيرية واسعة النطاق وعميقة. هذا هو السبب وراء التحذيرات المتكررة من جانب العديد من أنصار النظام، ومن المعارضين المعتدلين، من هبة شعبية قادمة ستأتي – من وجهة نظرهم – على الأخضر واليابس.
9. أزمة نظام
وهكذا، مر نظام مبارك في المرحلة الأخيرة بمرحلة أزمة هي الأعمق منذ وصوله للسلطة منذ ربع قرن مضى. فقد ذهبت وعود مبارك بسلام دافئ مع إسرائيل، وبعلاقة إستراتيجية مع الولايات المتحدة تأتي بالاستثمارات الأجنبية، وبإصلاح اقتصادي ليبرالي جديد ينعش الاقتصاد، أدراج الرياح. لا نعتقد أن أحداً يمكنه أن ينكر أن المشروع الذي كان مبارك يحب أن يلخصه في شعار "سلام، تنمية، استقرار، ديمقراطية"، قد أصبح نكتة لا يصدقها أحد. ما نشهده اليوم هو معركة مفتوحة ضد الإمبريالية في فلسطين وفي العراق؛ هو أزمة اقتصادية وفقر وبطالة؛ هو انهيار لكل استقرار محلي أو إقليمي؛ هو ديكتاتورية لا تطاق.
كما قلنا، كان هذا الفشل مصدرا للغضب والتململ في أوساط كل الطبقات ومعظم القوى السياسية. ولا شك أن مبارك، كرجل تربى على عدم مناقشة الأوامر في الثكنات العسكرية، ثم انتقل إلى موقع الحكم ليقمع شعباً كاملا طوال ربع قرن، لم يكن قادرا أن يفهم لماذا حدث ما حدث. لماذا تضغط الإمبريالية عليه؟ لماذا تنمو معارضة تتجرأ على نقده علنا؟ لماذا تظهر حركات تغيير تطالب بإسقاط نظامه؟ ولماذا هو لا يستطيع أن يكبح كل هذا كما اعتاد أن يفعل من قبل؟
الإمبريالية الأمريكية كانت تدعم مبارك بالمال والسلاح على مدى سنوات طوال. ولكن في السنوات القليلة الأخيرة ظهرت أصوات داخل الطبقة الحاكمة الأمريكية ترى أنه ربما يكون قد آن الأوان للبحث عن بديل لمبارك. بالطبع أفكار المحافظين الجدد الجالسين في البيت الأبيض – الأفكار التي تربط بين الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط وبين انتشار الإرهاب – تلعب دورا في هذا التوجه. لكن السبب الأكثر أهمية هو تغير الظروف وأزمة النظام. فشل مبارك الاقتصادي محليا، وعدم قدرته على تطبيق الأجندة الأمريكية إقليميا، وتصاعد الغضب الشعبي ضده، هي الأسباب المباشرة التي دفعت بعضا من قادة الإمبريالية للتفكير (بشكل متردد!) في البحث عن بدائل للديكتاتور.
الأزمة وضغوط الإمبريالية كانا هما الخلفية التي قرر مبارك على أساسها إصلاح نفسه (شكلياً بالطبع). من هنا رأينا الإصلاح الهزلي للدستور، ورأينا الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ونتائجهما. ولا شك أن اختلاف اللصان – مبارك وإدارة بوش – كان مفيدا للغاية في إعطاء فرصة لحركات المعارضة المصرية للصعود والانتشار. لكن الخبرة العملية أوضحت، للمرة المائة، حقائق السياسة العالمية والمحلية.
فالإمبريالية أثبتت أنه لا يهمها تحرر الشعوب ولا مصالحها. فقد رأينا بوش ورايس يثنيان على "إصلاحات" مبارك ويعتبرانها خطوة للأمام. ورأينا أيمن نور – المعارض الليبرالي المعتدل – يتعفن في السجن دون أن تطرف عين حماة الحريات في البيت الأبيض. كل ذلك لأن الولايات المتحدة قدّرت أن مبارك وعفنه أضمن، في اللحظة الراهنة، من تغيير غير محسوبة عواقبه.
أما الرأسمالية المصرية، ففضيحتها غير مسبوقة. الرأسماليون المصريون يعشقون القمع. كلما دخلوا امتحان الحرية اختاروا الاستبداد. وكلما دخلوا امتحان النزاهة اختاروا الفساد. وهذا أمر مفهوم. فلماذا مثلا يغامر رأسمالي كبير بالسير وراء معارض ليبرالي كأيمن نور يحتاج حتى يصل إلى السلطة إلى تعبئة جماهيرية غير مضمونة العاقبة على استقرار الأسواق؟ أليس من الأفضل تأييد الديكتاتور ومواصلة رشوة رجاله للحصول على صفقة هنا أو مشروع هناك؟
لذلك، فقد أظهر الرأسماليون المصريون معدنهم الحقيقي في انتخابات الرئاسة في سبتمبر 2005. كل رجل أعمال صغير أو كبير استخدم مهاراته في التزييف والخداع والتعبئة باستخدام سلاح المال لينصب السيرك لمبارك. رجال الأعمال الذين استأجروا البلطجية لضرب متظاهري كفاية في مايو 2005، استخدموا نفس البلطجية لتسيير مظاهرات التأييد لمبارك في سبتمبر من نفس العام، ثم استخدموهم في نوفمبر وديسمبر – مع حملة الانتخابات البرلمانية – ليحصلوا على مقعد وحصانة يسهّلان الصفقات ويضمنان الأرباح.
من هنا يمكننا أن نفهم "الجرأة" (المؤقتة) التي أصابت نظام مبارك في مرحلة ما بعد انتخابات الرئاسة، ورجوعه إلى عاداته القبيحة القديمة بالهجوم على المعارضة والمعارضين. فإذا كانت أمريكا قد تراجعت عن ضغوطها لأنها خافت من صعود "المتطرفين" على أنقاض نظام مبارك، ولأنها، بالمرة أيضا، حصلت على ثمن معقول من النظام تمثل في الكويز والسعي لتصفية المقاومة الفلسطينية ولمساندة احتلال العراق. وإذا كانت الرأسمالية المصرية تهللت فرحا وارتفعت أسعار أسهمها في البورصة عندما تم التمديد للديكتاتور في السابع من سبتمبر 2005. إذا كان كل هذا قد حدث، فليس من العجيب إذن أن يشعر مبارك بالراحة ويعود لهوايته في قمع المعارضة.
من هنا كذلك يمكننا أن نقيم السبب وراء تفاهة الليبرالية المصرية. الليبراليون المصريون لا "سوق" لهم. هم يقولون أن انتعاش الأسواق يحتاج إلى الحرية السياسية. لكن رجال الأعمال – المسئولون عن الأسواق – لهم رأي آخر. ليس هذا فقط. بل أن الليبراليون المصريين، من فرط حبهم للنظام الرأسمالي الاستغلالي ومن فرط كراهيتهم للإسلاميين، قد تخلوا بحماس مع أول اختبار عن قيمهم الليبرالية. فحازم الببلاوي وآخرون من ممثلي الليبراليين يطلبون من مبارك الاستمرار في الحكم لمدة عامين أو يزيد خوفا من صعود الإسلاميين. الليبراليون يقولون: لا نريد ديمقراطية إذا كانت الديمقراطية ستعني فوز الإخوان المسلمين في الانتخابات. نفضل استمرار الديكتاتور على صعود مهدي عاكف. فإذا كان الشعب لا يعلم مصلحته حتى الآن، ومصلحته هي نحن ولا أحد غيرنا، فخلّونا ندعم الديكتاتور حتى يتعلم الشعب أن ينتخبنا "بحرية"!
لهذا السبب بالضبط، لن يكون هناك مستقبل حقيقي لليبراليين المصريين. هذا طبعا إلا إذا أعطتهم قوى المعارضة الأخرى، بتخاذلها، الفرصة لاستغلال الأزمة والصعود على أكتاف الجماهير.
10. بدائل الخروج من الأزمة: القوميون
كان طبيعيا في مصر، كما في العالم العربي والعالم أجمع، أن تُطرح رؤى تقاوم الأوضاع الظالمة الراهنة وتقدم بدائل للخروج من الأزمة. وفي مصر البديلين الأكثر شعبية لمواجهة الأزمة هما التصور القومي والتصور الإسلامي، مع الأخذ في الاعتبار الفارق في نفوذ وتأثير كل منهما.
يطرح البديل القومي، كما يعبر عنه الحزب الناصري وحركة الكرامة والمفكرون القوميون على اختلافاتهم، العودة إلى السياسات التي طّبقت في فترة الناصرية، من حيث قيام الدولة بالدور الأساسي في الحياة الاقتصادية من خلال إعطاء القطاع العام دورا قياديا في الاقتصاد، وتبني التخطيط المركزي والتنمية المستقلة بالاعتماد على الذات، وعودة دور الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية، وطرح التضامن العربي باعتباره وسيلة للخروج من الأزمة. ويشير أصحاب هذا البديل إلى أن الأزمة الأساسية في المرحلة الناصرية كانت غياب الديمقراطية. ومن ثم يجري طرح الديمقراطية كأحد المكونات الأساسية لهذا البديل باعتبار أنها تكفل المحاسبة والتصدي للفساد وتداول السلطة، مما سيمكننا من منع أي قوى تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة على حساب الشعب.
بالطبع نحن نعلم أن البديل القومي أو الناصري يعاني بشكل ملحوظ من عبء الميراث التاريخي. فقد الكثير من شعبيته بسبب فشل التجربة الناصرية وما أدت إليه من أزمات، أو بالأحرى كوارث، سواء على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، مع هزيمة 1967 التي لازلنا نعاني من تبعاتها إلى يومنا هذا، أو على صعيد التنمية الاقتصادية، حيث فشل القطاع العام وسياسة إحلال الواردات في إنجاز عملية التنمية وإحداث قفزة في الاقتصاد المصري على غرار ما حدث في بعض دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.
لكن رغم تراجع نفوذ هذا البديل، إلا أننا أصبحنا كثيرا ما نسمع مؤخرا أنه رغم عيوب الناصرية إلا أنها كانت على الأقل تكفل التوظف الكامل للخريجين، والتعليم المجاني، والعلاج على نفقة الدولة، وتقريب الفوارق بين الطبقات. بل أن البعض أصبح يرى أن هناك حاجة إلى الناصرية من أجل إعادة إحياء الطبقة الوسطى التي تدهورت أحوالها وتقلص حجمها في ظل سياسات "الحرية الاقتصادية".
لا يمكن الاختلاف حول حقيقة أن كثيرين من المنادين بالعودة إلى عهد عبد الناصر يعبرون عن رغبة صادقة في أن تعيش الشعوب حياة أكثر إنسانية بعيدا عن التوحش والظلم الذي أصبحنا نعيش في ظلهما مع الليبرالية الجديدة. لكن مشكلة هذا البديل تتمثل في نقطتين. النقطة الأولى تتعلق بكيفية إتمام عملية التغيير والقوى صاحبة المصلحة في إحداثه. فالقومي عادة ما يرى أن المشكلة الرئيسية في عالمنا هي الانقسام بين الأمم الفقيرة والبلدان الاستعمارية، وليست الانقسام بين الطبقات عالميا ومحليا. ومن هنا فإنه يميل إلى أن يرى جوهر أزمة مصر في الانقسام بين الأمة بكاملها من ناحية وحفنة ضئيلة من الخونة التابعين للغرب من ناحية أخرى. وبالتالي فهو يميل إلى أن الاعتقاد أن المخرج من الأزمة يقوم على تحالف "كل قوى الشعب العامل" – من عمال وفلاحين وطلبة ومثقفين وطنيين ورأسمالية وطنية – ضد الحفنة الخائنة، وذلك بهدف مقاومة الاستعمار وهزيمته.
هذه النظرة خاطئة. القوميون يتجاهلون أن انقسام "الأمة المصرية" إلى طبقات ليس أمرا عابرا، بل هو أصل العلّة. المشكلة لا يمكن اختزالها في حفنة من الخونة. المشكلة في طبقات بكاملها لها مصلحة في استغلال الجماهير وقمعها وفي التحالف مع الإمبريالية. ومن ثم فإن الحل هو في ربط الصراع ضد طبقة الرأسماليين "بكاملها" مع الصراع ضد النظام السياسي الديكتاتوري وضد الإمبريالية.
النقطة الثانية الإشكالية في الرؤية القومية هي طبيعة الدور الذي تعطيه هذه الرؤية للجماهير في المجتمع المنشود. فالناس وفقا للقوميين ليسوا هم الفاعل في عملية التغيير ولا في المجتمع القادم، ولكنهم مفعول به, يتلقون الإنجازات التي يقررها الزعماء من أعلى، دون أن يكونوا هم أصحاب القرار والفعل. كذلك فإن من يتحكم في عملية توزيع الموارد ويدير عملية الإنتاج ويقرر ما هو الهدف من التنمية ليس هم من يقومون بالإنتاج سواء كانوا عمالا أو فلاحين، ولكن موظفي الدولة.
هنا رغم كل الكلام عن أموال الشعب وثرواته، إلا أن الموارد في النهاية ستصبح في يد الدولة لا الشعب. وهذا بالضبط ما حدث في العهد الناصري وفي التجارب المختلفة الأخرى الشبيهة مثل تجربة البعث السوري. فقد حلّت رأسمالية الدولة محل رأس المال الخاص، بمعنى أن حفنة من كبار المسئولين في الدولة أصبحت لهم السيطرة على الموارد، ومن ثم أصبحوا أصحاب مصلحة في استغلال العمال وامتصاص الفائض. وكان هؤلاء هم النواة الأساسية لطبقة الرأسماليين التي برزت في السبعينات. إذن فالمسألة ليست في مجرد التأميم أو التوجه نحو القطاع العام ليحل محل سيطرة القطاع الخاص، ولكن المعيار الأهم هو دور الجماهير في عملية الإنتاج واتخاذ القرار.
وهنا لا يمكننا اعتبار قبول القوميين بالديمقراطية البرجوازية (الشكل السائد للديمقراطية في البلدان الرأسمالية) حلا لأزمة دور الجماهير الغائب. فتلك الديمقراطية بطبيعتها، وكما تدل تجارب كل البلدان التي تطبقها، لا تعطي الجماهير دور حقيقي في السيطرة على مصيرها وعلى ثروات المجتمع. فأمريكا ديمقراطية، ولكن الثروة في يد حفنة من الرأسماليين الكبار، والقرار السياسي في يد حفنة من الساسة التابعين لهم. وبريطانيا هي الديمقراطية الأعرق، ولكن أيضا الثروة في يد حفنة من الرأسماليين، والقرار السياسي في يد سياسي اسمه "توني بلير" يدعي أن حزبه "حزبا للعمال"، ولكنه يطبق كل أجندة الليبرالية الجديدة بحذافيرها.
11. بدائل الخروج من الأزمة: الإسلاميون
أما البديل الثاني – البديل الإسلامي – فهو يطرح نفسه بقوة في العالمين العربي والإسلامي بوصفه قادرا على حل الأزمات التي تعانيها مجتمعاتنا من خلال دعوته للرجوع إلى الأخلاق والقيم الدينية الداعية إلى العدالة والرحمة وإعلاء المبادئ الإنسانية.
برز الحل الإسلامي في العقود الثلاثة الماضية كأكثر الحلول شعبية وقبولا بين جماهير المنطقة. ولهذا أسبابه المنطقية. فقد لعب الفشل الذي مُني به المشروع القومي الناصري في نهاية الستينيات دورا كبيرا في التشكيك في مصداقية البدائل العلمانية المختلفة كمخرج من المصائب التي تعاني من ويلاتها الجماهير.
المؤسف في الأمر أن اليسار الماركسي المصري، بدلا من أن يكسب أرضية على خلفية أزمة الناصرية وحدودها، أكد بمواقفه وسياساته على إفلاس البدائل "العلمانية" وفشلها في النضال من أجل الآمال التي تصبو إليها الجماهير. فنتيجة لتبني الشيوعيين المصريين للكثير من السياسات التي أملاها الاتحاد السوفيتي (المعروفة باسم الستالينية)، وهي سياسات غير نضالية وغير ثورية، قرر قادة الحزب الشيوعي المصري في منتصف الستينات، وبينما كان أعضاؤه في سجون عبد الناصر، تبني نظرية تقول أن عبد الناصر حقق ما كان الحزب يهدف إلى تحقيقه، ومن ثم لابد من التحالف معه وحل الحزب لأنه لم يعد هناك مبرر لوجوده بعد أن تحققت الأهداف النضالية التي أُنشئ من أجلها!
وهكذا قرر الحزب تجاهل الاستغلال والقمع الذين كان يمارسهما نظام عبد الناصر ضد الكادحين، واعتبر نزعة ناصر الوطنية المعادية للاستعمار، جنبا إلى جنب مع تأميماته ورأسمالية الدولة التي بناها، "طريقا لا رأسماليا إلى الاشتراكية"!
على أي حال، لم يكن هذا آخر أخطاء الستالينيين المصريين. الخطيئة الأفدح أتت بعد ذلك، عندما قررت العديد من الجماعات والأحزاب اليسارية في الثمانينات، وعلى رأسها حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، أن الإسلاميين هم الخطر الأول والأكبر على "مستقبل مصر"، وتبنت على هذا الأساس سياسة يمكن تلخيصها في عبارة واحدة: "مع الدولة ضد الإرهاب".
كان لهذه السياسة أثرا مدمرا على نفوذ اليسار في مصر والعالم العربي. فتحت دعوى مواجهة "الرجعية" و"القوى الظلامية" و"الفاشية" و"المتأسلمون"، وغيرها من الكلمات النارية، وقف كثير من اليساريين إلى جانب الحكومات ضد التيار الإسلامي متغاضين عن القمع غير المسبوق الذي مارسته الدولة ضد الإسلاميين، ومتجاهلين أن هذه الحكومات هي السبب في إفقار الشعوب، وهي التي تتحالف مع القوى الكبرى وعلى رأسها أمريكا وتُمكنّها من السيطرة على المنطقة.
وكان من نتيجة هذا أن اليسار ظهر في أعين الجماهير باعتباره حليف الحكومات الفاسدة والاستبدادية، في الوقت الذي ظهر فيه الإسلاميون، على اختلاف تياراتهم، على أنهم القوى الأكثر عداء للأنظمة والأكثر استعدادا لتحمل التضحيات، ومن ثم الأكثر مصداقية في أعين الجماهير.
ومع الهجمة الأمريكية الأخيرة على المنطقة، تلك الهجمة التي استهدفت تأمين مصادر النفط ودعم إسرائيل، تفاقمت الأزمات وزادت التناقضات. فالأنظمة انكشفت أكثر من أي وقت مضى بعد أن أصبح مطلوبا منها لا أن ترعى سلاما مزعوما بين إسرائيل وحركة التحرر الوطني الفلسطينية، بل أن تدعم – ماديا ومعنويا – المذابح التي يقوم بها الأمريكيون والإسرائيليون في العراق وفلسطين. والإفقار زاد إلى حد رهيب بعد أن قررت الحكومات، ومنها الحكومة المصرية، تبني سياسة تسريع عملية الخصخصة والتحول ناحية اقتصاديات السوق. في ظل كل ذلك، كان طبيعيا أن يبرز التيار الإسلامي باعتباره الوحيد ذو المصداقية والقدرة على التصدي للظلم والفساد.
ولكن بقدر وفرة عدد مؤيدي الحل الإسلامي، بقدر ما تتسع الخلافات بينهم. ففي مصر، ورغم أن هناك درجة من الاتفاق بين "جماعة الإخوان المسلمين" من ناحية و"الجماعة الإسلامية" و"الجهاد" من ناحية أخرى حول أسباب الأزمة ("عدم تطبيق شرع الله")، إلا أن هناك خلافات واضحة بين الجانبين، سواء فيما يتعلق بطبيعة الحلول المطروحة، أو بالوسائل الكفيلة بوضع هذه الحلول موضع التنفيذ.
وعلى هذا، فبالرغم من أنه يمكن القول أن كلا من الاتجاهين الإسلاميين – المعتدل والجهادي – يعبر عن أزمة قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة (من المهنيين، إلى التجار المتوسطين والصغار، إلى أصحاب الورش والمحلات الصغيرة والحرفيين) في ظل التدهور المستمر في أحوال هذه الطبقات في عهد الليبرالية الجديدة، إلا أنهما يقدمان طريقان مختلفان لحل أزمات هذه الطبقات.
فالإخوان المسلمون يتبنون الطريق البرلماني للوصول إلى السلطة عبر صناديق الانتخاب، ويطرحون رؤية غامضة، وأيضا مرنة، تقوم على الالتزام بمبادئ الديمقراطية وتحقيق التوازن مع القوى المحلية والخارجية ومحاولة التوفيق بين مصالح الطبقات المختلفة، باعتبار أن ذلك كفيل بتحقيق العدالة والسلام الاجتماعي.
ويظهر الموقف الوسطي للإخوان في العديد من المواقف والممارسات. فالإخوان مع العدالة وضد الجشع، لكنهم ضد أي إجراءات جوهرية لإعادة توزيع الثروة. وهم ضد إسرائيل، لكنهم على استعداد للتعايش معها والالتزام باتفاقيات السلام. وكذلك هم ضد الهيمنة الأمريكية، ولكنهم مع ذلك على استعداد لفتح قنوات للحوار مع واشنطن، وهكذا. وتنبع جاذبية الإخوان تحديدا من هذا التصور الفضفاض الذي يسمح لقطاعات واسعة من الجماهير المستاءة من الظلم الراهن بأن تجد ضالتها في هذا التيار.
وإذا كان لا يمكن بأي حال إنكار النضالات التي يخوضها الإخوان والتضحيات التي يقدمونها في مواجهة استبداد الدولة، فإن ذلك لا يجب أن يدفعنا إلى تجاهل حدود التغيير الذي يطرحونه، وحدود ما يستطيع أن يقدمه هذا التيار إلى الفقراء، وهم الغالبية الساحقة من المجتمع كما نعلم جميعا.
النقطة المهمة هنا أن الإخوان المسلمين لا يطرحون أي تغيير جوهري في علاقات الفقر والغنى في المجتمع. فالحل بالنسبة لهم، كما قلنا، هو الالتزام بالأخلاق والتوسع في الشبكات الاجتماعية والإحسان ومساعدة الفقراء من أجل التخفيف من حدة الفقر وإحداث نوع من المصالحة بين الفقراء والأغنياء.
وإذا ما رغبنا في الكلام بشكل ملموس، فإن تأمل البرنامج الانتخابي للإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب 2005، يشير إلى ذلك. إذ نجد أنه لا توجد فوارق أساسية بين ما ورد في هذا البرنامج بشان المسائل الاقتصادية وما ورد في برنامج الحزب الوطني. فكل منهما يرى أن حل الأزمة الاقتصادية يكمن في تشجيع الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية من خلال إزالة القيود التي تعوق حرية الاستثمار ومنح المزيد من حوافز الاستثمار مثل الإعفاءات الجمركية والضريبية. بل أن برنامج الإخوان لا يرفض حتى سياسة الخصخصة التي أدت إلى تشريد مئات الآلاف من العمال، وكل ما يطالب به هو "برنامج للخصخصة مدروس يتسم بتقييم عادل للمشروعات العامة وشفافية كاملة مع الحفاظ على حقوق العمال."
هذا بالتحديد ما يمَكننا من فهم مواقف الإخوان العملية في المعارك الجماهيرية. ففي معركة الفلاحين عام 1997 ضد تطبيق قانون المالك والمستأجر في الأراضي الزراعية أخذ الإخوان صف السلطة وأيدوا القانون رغم تأثيره المدمر على أكثر من مليون أسرة فلاحية، بدعوى أن الإسلام مع حقوق التملك وضد عقد الإيجار الأبدي.
ثم أن الجماعة، وإن كانت أساسا تيارا يجد قاعدته في الطبقات الوسطى، فإنها رغم ذلك لا تبدو ضد الرأسمالية في أكثر صورها توحشا. فعلى سبيل المثال، كان وراء مأساة عمال "الإسبستوس" الشهيرة رجل أعمال ينتمي إلى الإخوان المسلمين. ولعله من المفارقة أن هذا الرجل، الذي منع بيع الخمور في جروبي عندما اشتراه بعد خصخصته حفاظا على "الأخلاق الحميدة"، لم يؤنبه ضميره عندما قرر تشغيل العمال في ظروف تفتقر إلى كافة قواعد الأمان وتؤدي إلى الإصابة بالسرطان والتشوهات والعديد من الأمراض المزمنة.
من ناحية أخرى، فإن موقف الإخوان من حقوق الأقليات والمرأة، وإن كان قد حدث به نوع من التطوير في السنوات الأخيرة في إطار طرح الإخوان لنفسهم كقوة مدنية تتبنى قيم المواطنة والمساواة، لا يزال مترددا ومليئا بالأفكار الرجعية. ففيما يتعلق بالمرأة، كثيرا ما يطرح أنصار التيار الإسلامي في الجامعات عودة المرأة إلى المنزل باعتبارها حلا لمشكلة البطالة!
أما موقف الجماعة تجاه الأقباط، فقد تم التعبير عنه بشكل سافر في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حينما انطلقت الدعاية المناهضة للمرشحين الأقباط في العديد من الدوائر، ووصل الأمر إلى ذروته في أحداث دائرة محرك بك التي لعب مرشحو الإخوان دورا أساسيا فيها وساهمت الجريدة المعبرة عن الجماعة في تصعيد التعصب والحنق ضد الأقباط.
أما التيار الثاني في الحركة الإسلامية، فهو الإسلام الجهادي الذي تعبر عنه الجماعة الإسلامية في مصر، وتنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به في العراق، وغيرها من التنظيمات الإسلامية المسلحة. وقد خاض هذا التيار في مصر حربا شرسة ضد الدولة في سنوات التسعينات من خلال مهاجمة رموزها وبعض المؤسسات والمزارات السياحية. وكانت نتيجة تلك الحرب أن استطاعت الدولة تكسير عظام الجماعة الإسلامية عن طريق حملات القتل والتعذيب. وهو ما أوضح بشكل بليغ أن القضاء على بعض رموز النظام لا يؤدي سوى إلى إحلالها برموز أخرى ليست أقل فسادا، وأن فكرة إضعاف الدولة عن طريق تدمير مواردها هي فكرة بها الكثير من السذاجة.
وإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين ترى في الجماهير كتلة تصويتية ينبغي السعي لكسب تأييدها من أجل الوصول إلى الحكم، فإن الإسلام الجهادي لا يثق في الجماهير من الأساس، ويعمل في عزلة عنها، وينظر إليها بطريقة استعلائية باعتبارها تعيش في ضلال ومن الواجب هدايتها بالإقناع أو بالقوة إذا لزم الأمر. وفي الوقت الذي يرفع فيه المنتمون إلى هذا التيار السلاح في وجه الدولة والاحتلال، فإنهم يؤمنون بأن التحرر يجب أن تقوم به حفنة منتقاة من الرجال المخلصين عبر الإرهاب الفردي، كما أنهم لا يرون أي علاقة بين إعلاء قيم الحق وبين القضاء على الاستغلال الرأسمالي.
فخلال معركة الفلاحين التي أشير إليها سابقا، عارضت الجماعة الإسلامية حركة الفلاحين وطالبتهم بتسليم الأرض للملاك. من ناحية أخرى، فإن موقف "الجماعة" من حقوق المرأة والأقباط ليس به لبس. فالجماعة الإسلامية تتخذ موقفا صريحا مناوئا لحقوق المرأة والأقباط. فعلاوة على رفض عمل المرأة وخروجها من المنزل، سعت إلى فرض الحجاب والاعتداء على من ترفضن ارتدائه في بعض مدن الصعيد أثناء سيطرتها على هذه المدن في التسعينات. وإضافة إلى أفكار الجماعة المعلنة عن الأقباط باعتبارهم يجب أن يعاملوا معاملة الذميين، هناك العديد من الممارسات ضدهم وصلت إلى قتل الأقباط وسرقة محلاتهم في الصعيد. لذلك فقد انتهى الأمر بالجماعة الإسلامية، لا إلى معاداة الدولة فحسب، ولكن إلى معاداة قطاعات واسعة من الجماهير.
إذن فرغم إخلاص النوايا، ورغم الاستعداد للتضحية المثير للإعجاب، إلا أن ما يستطيع أن يقدمه الإسلاميون، على اختلاف رؤاهم، محدود بحدود تصورهم حول طبيعة الأزمة والدور الذي يمكن أن تلعبه الجماهير في مواجهة الاستغلال والظلم.
12. بديل التغيير الجماهيري: درس أمريكا اللاتينية
بديل التغيير على يد الجماهير ليس بالضرورة هو البديل الاشتراكي. ولكنه أول خطوة على طريقه. والمعنى الجوهري لهذا البديل هو الاعتماد على نضال الأغلبية الكاسحة من الفقراء والكادحين، وليس على أصواتهم الانتخابية، كطريق وحيد لإسقاط السلطة الظالمة المستبدة ولإزاحة الطبقة المستغِلة المكونة من أقلية من الرأسماليين والملاك الكبار.
مصر ليست خارج العالم. نحن جزء من هذه الدنيا بمشاكلها وأزماتها. ونحن أيضا جزء منها بنضالات جماهيرها وكفاحاتهم. فإذا كانت بلدان أخرى قد أوضحت لنا في السنوات الأخيرة المعنى المبهر للنضال الجماهيري وقدراته على إسقاط أعتى العروش والصولجانات، فإن واجبنا أن نرى في هذه النضالات صورة مستقبلنا، ومن ثم أن نتعلم منها الدروس حول كيفية خوض المعركة إلى النهاية وإلى النصر.
العالم الذي نعيش فيه يعاني من ويلات الليبرالية "الجديدة" والإمبريالية "الجديدة" منذ حوالي ربع قرن. لكن النضال الجدي ضد هذه الشرور لم يبدأ إلا في السنوات الستة أو السبعة الأخيرة. ففي نهاية 1999 خرج عشرات الآلاف من مناهضي "العولمة الرأسمالية"، من مزارعين وعمال ونقابيين وفوضويين ويساريين ونشطاء في منظمات حقوق الإنسان والمرأة، في مظاهرات أثناء اجتماعات منظمة التجارة العالمية في مدينة سياتل الأمريكية. وكان نزول هذه الآلاف الكثيرة إلى الشارع واشتباكها مع الشرطة مفاجأة للجميع، لأنها كانت المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي تعبر فيها الجماهير عن وعي جديد بأن الرأسمالية في طبعتها الليبرالية الجديدة هي مصدر كل الشرور، وأنه أصبح ضروريا الاحتجاج على مصائب هذا النظام والسعي إلى خلق عالم أفضل.
لم تكن أحداث سياتل إلا مجرد بداية. فقد تلتها العديد من الاحتجاجات الواسعة التي ركزت على محاصرة لقاءات حكّام العالم، مثل اجتماعات الدول الصناعية الثماني الكبرى في جنوا في 2001 التي شارك فيها نحو 300 ألف شخص، وقمة الاتحاد الأوروبي في برشلونة في 2002 التي تظاهر فيها 500 ألف شخص. ثم جاء الاستعداد الأمريكي للحرب ضد العراق في نهاية 2002 ليخلق أكبر حركة تضامن بين شعوب العالم في تاريخ البشرية. حيث خرج الملايين في العديد من دول العالم ينددون بحرب هدفها هو السيطرة على النفط وتدعيم الهيمنة على شعوب العالم.
وقد تزامن مع الحركة الجماهيرية المناهضة للعولمة انفجار سلسلة من الانتفاضات الجماهيرية في عدد من بلدان أمريكا اللاتينية التي شهدت أعنف تطبيق لسياسية الليبرالية الجديدة. فخلال السنوات القليلة الماضية، نجحت شعوب القارة الأمريكية الجنوبية في تحدي ثلاثة أنظمة موالية لأمريكا هي: الإكوادور والأرجنتين وبوليفيا.
ففي الإكوادور، كانت الحكومة قد طبقت برنامجا صارما للتقشف برعاية صندوق النقد الدولي، فقامت ببيع المنشآت العامة وخفّضت قيمة العملة. الأكثر من ذلك أن نخبة الحكم سعت بالتعاون مع رجال الأعمال إلى نهب القروض التي قدمها البنك الدولي للدولة وتهريبها إلى الولايات المتحدة. وكانت نتيجة هذا الوضع أن بلغ معدل البطالة 80% ومعدل التضخم 60%، بينما انخفض معدل النمو إلى –7%. وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير هي قيام الرئيس "جميل موهاد" بتفليس الخزانة عن طريق ربط العملة بالدولار، مما دفع حركة الفلاحين، بالتحالف مع عمال المدن، إلى احتلال البرلمان ومحاصرة قصر الرئاسة والإطاحة بالرئيس في يناير 2000، ثم تم تشكيل حكومة شعبية برئاسة ثلاثة أعضاء هم قائد الحركة الفلاحية وأحد المهنيين وأحد الضباط.
وفي الأرجنتين اتفقت الحكومة مع صندوق النقد الدولي في بداية التسعينات على إعادة جدولة الديون البالغة قيمتها 60 مليار دولار في مقابل تطبيق برنامج للتقشف تم بمقتضاه بيع كافة الوحدات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية المملوكة للدولة وتحويل هيئة المعاشات والخدمات الصحية إلى القطاع الخاص. وقد أدي البرنامج إلى ارتفاع معدلات البطالة حتى بلغت في نهاية التسعينات 20%، وبلغت نسبة السكان تحت خط الفقر 40%، وأدى ارتفاع الأسعار إلى انخفاض معدلات الأجور الحقيقية بمقدار 20%.
ولذلك ففي نهاية عام 2001 اندلعت انتفاضة عفوية بدأت بتدفق آلاف الجياع على محال بيع المأكولات طلبا للطعام. ثم قاموا بتحطيم المحلات والاستيلاء على ما بداخلها. وبعدها توجهوا إلى البنوك للاستيلاء على أموالها. وفي الوقت نفسه كان سكان الضواحي والأحياء الفقيرة قد بدأوا في الطرق على أواني الطعام الفارغة، وهو سلوك احتجاجي في الثقافة المحلية، وتبعهم في ذلك الجياع. كما تبعتهم النساء اللواتي دأبن على تنظيم احتجاجات دورية ضد اختفاء أقاربهن أثناء حكم النظم العسكرية. ورغم مقتل نحو خمسين شخصا على أيدي قوات الأمن، فقد استمرت الانتفاضة وتم تشكل تجمعات في الأحياء والمدن تطالب بإعادة تأميم الوحدات المخصخصة ووضعها تحت إدارة عمالية ورفض دفع الديون الخارجية ومحاسبة المسئولين عن وفاة العشرات في الانتفاضة. وأدى ذلك إلى فرار رئيس الوزراء "دولاروا" خارج البلاد، وإلى سقوط أربعة رؤساء وزراء في غضون أسابيع قليلة.
ولا تختلف تجربة بوليفيا في الخصخصة عن مثيلاتها في أمريكا اللاتينية. ولكن منذ عام 1999 تصاعدت الحركة الجماهيرية احتجاجا على سياسة الإفقار المرتبطة بالخصخصة, إلى أن استطاعت الجماهير الإطاحة بالرئيس "جونزالو سانشيز دولازادا" المدعوم من واشنطن في عام 2003. فقد نظمت الجماهير إضرابا واسعا في شهر سبتمبر من ذلك العام، ضم عمالا وطلبة وفلاحين وأساتذة جامعيين، للمطالبة بوقف تصدير الغاز الطبيعي – مصدر الثروة الرئيسي في بوليفيا – إلى الولايات المتحدة، وهو المشروع الذي تموله الشركات متعددة الجنسية. وطالبت الجماهير بأن تكون لها السيطرة على الثروات الطبيعية في البلاد وبمحاسبة المسئولين عن قمع حركة الفلاحين في بداية العام احتجاجا على حظر الحكومة زراعة نبات الكوكا مع عدم توفير بديل للفلاحين.
وفي منتصف أكتوبر من نفس العام التف مئات الآلاف من الفقراء والمشاركين في الإضراب حول القصر الرئاسي مطالبين الرئيس بالتخلي عن الحكم. ورغم موافقته على التراجع عن مشروع الغار إلا أنه أجبر عن الاستقالة والرحيل إلى الولايات المتحدة وحل محله نائبه كارلوس دييجو ميزا.
المثير للدهشة في القصة البوليفية أن انتفاضة جماهيرية ثانية اندلعت بعد الأولى بعامين: بالتحديد في صيف 2005. المطلب الرئيسي للانتفاضة الثانية كان تأميم مصادر الثروات الطبيعية، وبشكل خاص البترول والغاز الطبيعي. وقد نجحت هذه الانتفاضة في الإطاحة بالرئيس "دييجو ميزا"، ثم أجريت انتخابات رئاسية في ديسمبر 2005 فاز فيها "إبو موراليس" زعيم حزب "حركة الاشتراكية" وأول رئيس من السكان الأصليين.
وقد تضمن برنامج موراليس تأميم مصادر الثروة، وزيادة الإنفاق بحيث يشمل الخدمات الصحية والاجتماعية، ووضع دستور جديد للبلاد تشارك الجماهير في صياغته، وإعادة النظر في برنامج خصخصة الشركات والخدمات التابعة للدولة. وفي أول رد فعل على فوز موراليس قررت التجمعات التي قادت انتفاضة يونيو 2005 أنها سوف تبدأ في الحشد والاستعداد للضغط على الرئيس الجديد من أجل تنفيذ برنامجه الانتخابي.
هذه هي بعض قصص أمريكا اللاتينية، ليس كما وردت في راويات الروائي الكولومبي الشهير جابرييل جارثيا ماركيز، ولكن كما حدثت بالفعل في السنوات القليلة الأخيرة. وبالرغم من أنه لا يمكن القول أن انتفاضات أمريكا اللاتينية أنجزت مهامها وتطورت إلى ثورات شاملة قادرة على وضع نهاية لنظام الاستغلال الرأسمالي، إلا أن أهميتها القصوى أنها تطرح طريقة أخرى في التفكير، هي أن الفقراء، وهم الأغلبية التي تعيش في بؤس بسبب استغلال الأقلية الغنية لها، قادرون على تغيير الأوضاع الظالمة لو تحركوا موحدين في نضال جماعي ضد الظلم.
13. بديل التغيير الجماهيري: ومصر أيضا قادرة على إعطاء الدروس
سينظر البعض نظرة ساخرة، وسيعض البعض الآخر على شفاهه تعبيرا عن الحسرة، عندما يقرأون عنوان هذا القسم! فـ"هل فعلا ممكن أن تعطي مصر دروسا لأحد؟"
ردنا على هذا السؤال هو: "نعم ممكن". ليس هذا فقط بسبب ما أثبته تاريخنا الحديث من كفاحات متواصلة للكادحين المصريين، ولكن أيضا بسبب ما يلوح من إمكانيات نضالية مستقبلية. فعلى خلاف ما يتصور كثيرون، ليست الجماهير المصرية بطبيعتها وسطية أو مهادنة أو راضية بالذل والخضوع والاستكانة.
فعلى الأقل هناك ثلاثة منعطفات خلال القرن الماضي – القرن العشرين – ارتفع أثناءها الصراع الطبقي إلى مستوى عال من النضج أوضح إلى أي مدى شكلت النضالات الطبقية وجه مصر الحديثة: الفترة من 1919 إلى 1924، الفترة من 1945 إلى 1952، والفترة من 1972 إلى 1977.
ففي نهاية العقد الثاني من القرن العشرين تضافرت عوامل عديدة، منها المعاناة الاقتصادية والتحريض الوطني بعد نفي سعد زغلول، مؤدية إلى انفجار موجة واسعة من النضالات تطورت إلى انتفاضة شعبية أُطلق عليها اسم ثورة 1919. فخلال شهري مارس وأبريل من ذلك العام اجتاحت البلاد موجة من الإضرابات والمظاهرات وأعمال العنف في المدن والأرياف تطور كثير منها إلى صدامات دموية مع جيوش الاحتلال بعد أن اختفت الشرطة في اليوم الأول من الأحداث. وقد شارك العمال، لأول مرة، في الثورة على نطاق واسع.
بعد موجة الإضرابات في مارس وأبريل حدث هبوط في مستوى نضال العمال الاقتصادي. ولكن بدأت موجة من تشكيل النقابات. وكان هذا التكاثر المفاجئ في النقابات هو الذي دفع بالجريدة اليومية "لابورس اجيبسيان" أن تعلن في مانشيت عددها الصادر في 21 أغسطس 1919: "السماء تمطر نقابات."
وفي عامي 20-1921 ضربت البلاد أزمة اقتصادية. وقد استغلت الحركة الوطنية الاستياء الناتج عن الأزمة في زيادة تحريضها. ونجحت في إجبار "لجنة ملنر" على الرحيل. ولجنة ملنر هي بعثة إنجليزية جاءت إلى مصر للبحث عن فريق بديل لسعد زغلول وحزب الوفد لتتفاوض معه. ولكنها ووجِهت بمقاطعة شاملة.
هذا المستوى المتصاعد من النضال أجبر الاحتلال الإنجليزي على التراجع. فأعلن في فبراير 1921 أن الحماية "علاقة غير مرضية." ولم يؤد هذا التراجع إلا إلى المزيد من تصاعد النضال. فازداد تراجع الإنجليز وأعلنوا في فبراير 1922 اعترافهم بمصر دولة مستقلة مع أربع تحفظات فرّغت الاستقلال من مضمونه. ولكن الثمرة الواضحة لهذه النضالات كانت دستور 1923 الذي وفّر الظروف لعقد أول انتخابات نيابية حرة أسفرت عن فوز حزب الوفد بزعامة سعد زغلول بالأغلبية النيابية مما أعطاه الحق في تشكيل الوزارة في يناير 1924.
أما أحداث 1946 فقد ارتبطت هي الأخرى بحرب عالمية، هي الحرب العالمية الثانية (1939-1945). بدأت الأحداث مع نهاية الحرب التي تعرض المصريون خلالها للمعاناة بسبب نقص المواد الغذائية وارتفاع الأسعار ثلاثة أضعاف، وفرض الأحكام العرفية ومنع أشكال التعبير عن الرأي، ومحاصرة الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال.
فبعد انتهاء الحرب أعلن الطلبة تشكيل اللجنة التحضيرية للجنة الوطنية للطلبة، ووضعوا لها برنامجا من ثلاث نقاط هي أن الكفاح لتحقيق الاستقلال لا يقتصر على مواجهة الاحتلال العسكري ولكن أيضا الاستعمار السياسي والاقتصادي، وأن هناك ضرورة للقضاء على عملاء الاستعمار من الإقطاعيين وكبار الماليين، وأن الطريق الوحيد إلى الاستقلال هو اتحاد القوى المعارضة. واعتبر هؤلاء أن التفاوض مع المستعمر على حقوق الوطن خيانة.
في تلك الأثناء، وبينما كانت الغالبية العظمى من الشعب المصري ترفض الدخول في مفاوضات، أرسلت حكومة الأقلية مذكرة إلى الحكومة البريطانية في يناير 1946 تطالبها بمنح مصر الاستقلال مع "استمرار العلاقات بين البلدين على أساس من التحالف". ومع رد الحكومة البريطانية على المذكرة بالرفض، تصاعد السخط الشعبي وتم تنظيم مظاهرات عارمة في القاهرة والإسكندرية والعديد من المدن.
وفي التاسع من فبراير 1946 دعا الطلبة إلى إضراب، وقام الآلاف منهم بمظاهرة سلمية خرجت من الجامعة متوجهة إلى قصر عابدين. وعند مرورهم فوق كوبري عباس حدثت الواقعة الشهيرة. حيث فتحت الشرطة الكوبري أثناء مرور الطلبة مما أدى إلى استشهاد عشرين طالبا.
وعلى أثر حادث كوبري عباس تم تشكيل "اللجنة الوطنية للعمال والطلبة". وفي يوم 21 فبراير، دعت اللجنة إلى إضراب عام. وتمت الاستجابة للدعوة على نطاق واسع. وتدفقت مظاهرات حاشدة إلى وسط القاهرة، فأصبحت الشوارع "أنهارا من الناس تتدفق من الضواحي إلى وسط المدينة". وقد ظلت المظاهرات تسير في هدوء إلى أن مرت العربات العسكرية البريطانية وبادرت بفتح النار على المتظاهرين.
وبعد هدوء نسبي في الحركة لمدة عامين تقريبا، أتت حرب فلسطين 1948 لتمثل مناسبة جديدة للتحريض. فقد ارتبطت الحرب ونهايتها المعروفة بتصاعد مشاعر الحنق ضد النظام الملكي وضد الطبقة السائدة وقيادات الجيش. هذا بالطبع بالإضافة إلى العداء للاستعمار والصهيونية. من هنا، فقد زادت عمليات المقاومة نوعيا، خاصة في مدن القناة، هذا عدا الاحتجاجات الاجتماعية، مما أجبر حكومة مصطفى النحاس على إعلان إلغاء معاهدة 1936 مع بريطانيا وفتح الباب للمقاومة في مدن القناة. وقد وصل الأمر في مطلع الخمسينات، بسبب تصاعد النضال الطبقي والوطني، إلى أن طرح البعض أن "السلطة أصبحت ملقاة على قارعة الطريق تنتظر من يلتقطها!"
أما معركة السبعينات، التي أتت بعد سنوات من ركود الحركة الجماهيرية في ظل النظام الناصري، فقد كانت خلفيتها بالطبع هي هزيمة 1967 ثم المصاعب الاقتصادية التي واجهت الجماهير مع إتباع سياسات الانفتاح الاقتصادي بدءا من 1974. ففي السنوات 1971-1972 تصاعدت الحركة الطلابية مطالبة السادات بخوض الحرب لتحرير الأرض. وقد تزامن مع التحركات الطلابية سلسلة من الإضرابات العمالية في مصانع القطاع العام وفي قطاع النقل (عمال النقال العام) كانت ذروتها في السنوات من 1975 إلى 1977.
وفي مطلع عام 1977، وبعد قرار حكومة عبد المنعم القيسوني برفع أسعار السلع الأساسية، اندلعت في يوم 18 يناير المظاهرات في الجامعات والأحياء العمالية. وقد خرجت شرارة المظاهرات من مصنع حرير حلوان، ثم انتشرت إلى الأحياء العمالية بالقاهرة الكبرى، بل وفي كافة المحافظات. ومن ناحية أخرى تصاعدت المظاهرات الطلابية، وخرج كل من الطلبة والعمال إلى منطقة وسط البلد. ووصل الأمر إلى أن الشرطة أعلنت في مساء يوم 18 أنها غير قادرة على السيطرة على الموقف. ومن ثم دخل الجيش "لحماية البلاد"!
وفي يوم 19 يناير، تطورات الأحداث بشكل درامي حينما تحولت المظاهرات العمالية والطلابية إلى موجة واسعة من العنف من جانب فئات عريضة من الجوعى والمهمشين بطول البلاد وعرضها. وانتشرت الحرائق وعمليات سلب الملاهي الليلة والفنادق الفخمة والمؤسسات الحكومية. ولم تتوقف الأحداث إلا بعد اضطرت السلطة إلى التراجع عن قرارها برفع الأسعار.
وبرغم القمع الذي تلا الأحداث، إلا أن أحداث يناير 1977 وما سبقها من نضالات كانت هي السبب الرئيسي وراء "عقدة السلطة"، تلك العقدة التي منعت النظام الحاكم، لمدة عشر سنوات على الأقل، من اتخاذ أي خطوات ملحوظة للتخلص من مكتسبات العهد الناصري.
أما اليوم، في مطلع القرن الحادي والعشرين، فنحن نشهد بدايات تشكل موجة رابعة من التصاعد في النضال السياسي والطبقي. فقد أدت تراكمات سنوات التسعينات الاقتصادية والسياسية إلى انفجار الغضب الجماهيري في صورة مظاهرات عفوية مناهضة للصهيونية ومتضامنة مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سبتمبر-أكتوبر 2000. وقد تركزت المظاهرات في أوساط الطلبة والنقابات المهنية. وبالرغم من أن كثيرين توقعوا أن تمثل تلك المظاهرات لحظة عابرة، إلا أن تتابع الأحداث بعدها أظهر بما لا يدع مجالا للشك أنها، على العكس، كانت بداية لسلسلة من التفاعلات السياسية المتصاعدة.
فقد تكررت موجة أكتوبر 2000 على نطاق أوسع، وبمواجهات أعلى مع النظام، في أبريل 2002 مع الاجتياح الصهيوني لمدينة جنين. ثم تكررت مرة ثانية، بشكل مختلف وأعمق، في مارس 2003 مع بدء الحرب الأمريكية ضد العراق. حيث احتل عشرات الآلاف من مناهضي الحرب ميدان التحرير يوم 20 مارس بكامله. ثم تطورت الأمور في اليوم التالي لتتحول المظاهرات السلمية إلى مواجهات واسعة بين حوالي 50 ألف من المتظاهرين وأجهزة قمع النظام المصري، خاصة وأنه ظهر واضحا أن غضب الحركة لم يكن موجها فقط تجاه الإمبريالية الأمريكية، وإنما أيضا تجاه السلطة المصرية. حيث تكررت الهتافات ضد النظام وتم تمزيق صور مبارك التي عادة ما تزين ميدان التحرير.
وقد أدى هذا التراكم النضالي على مدى أكثر من ثلاثة سنوات إلى ميلاد حركة التغيير في الربع الأخير من عام 2004 مع تأسيس الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) والحملة الشعبية من أجل التغيير (الحرية الآن) اللتان أعلنتا بشكل لا يقبل اللبس عداءهما لمبارك ونظامه الاستبدادي، وبدأتا في تنظيم المظاهرات المعادية له والمطالبة برفض التمديد والتوريث.
وقد تصاعدت تلك الحركة خلال عام 2005 واتسعت وحققت مكاسب عديدة. هذا إلى جانب جذبها لأعداد مهمة من المناضلين الجدد الرافضين للديكتاتورية والمطالبين بالتغيير. هذا قبل أن تواجهها المشاكل وتنحسر مؤقتا تحت وطأة فشلها في خلق جذور لنفسها في الأوساط الجماهيرية.
وإلى جانب الحركة السياسية المطالبة بالتغيير الديمقراطي، تصاعدت في الآونة الأخيرة التحركات الاجتماعية بشكل غير مسبوق منذ الثمانينات. فعلى صعيد النضالات العمالية، قفزت الاحتجاجات العمالية من حوالي 35 احتجاج سنويا في منتصف التسعينات إلى أكثر من 200 احتجاج في عام 2005. وبالرغم من أنه ينبغي الاعتراف بأن معظم هذه الاحتجاجات دفاعية وضعيفة، إلا أن الأمر الأكيد أنها تعكس غضبا كامنا قابل للانفجار على نطاق واسع في أي لحظة.
ومن جانب آخر، فقد أثبتت الأحداث أن معركة الفلاحين في 1997 ضد قانون طردهم من الأراضي لم تكن إلا مجرد البداية لحرب طويلة. فخلال 2005 تكررت المصادمات بين الفلاحين و"الإقطاعيين الجدد" الساعين إلى استعادة أراضي أجدادهم أو المستولين على أراضي الفلاحين عنوة. وقد كان أهم هذه المصادمات هو معركة قرية سراندو التي انتهت باستشهاد الفلاحة نفيسة المراكبي بسبب قمع الشرطة التي تواطأت مع المالك الكبير في مسعاه للاستحواذ على الأرض.
لا شك أن من يقرأ مغزى تلك السلسلة من الأحداث يمكنه أن يستنتج أن سحبا تتجمع في الأفق وأننا في انتظار "هطول الأمطار"! ذلك أن امتزاج الأزمة السياسية للنظام ومحاولاته الفاشلة لإصلاح نفسه، مع الفوضى الإقليمية وتصاعد المقاومة في العراق، مع احتدام الأزمة الاقتصادية وتزايد معدلات الإفقار، مع بروز قوى معارضة جديدة وكسر محظورات سياسية قديمة؛ نقول أن امتزاج كل هذه العوامل المترابطة يطرح أن الوضع لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه وأن هناك معارك كبرى مقبلة.
14. الاشتراكية من أسفل
إذا كانت مصر مقبلة على معارك كبرى، فهذا يطرح السؤال: أي طريق نريده لهذا البلد؟ هنا تختلف الإجابات. البعض يحلم بـ"نهضة وطنية كبرى" مدفوعا بمشاعر الحنين إلى تجربة محمد علي والخديو إسماعيل وجمال عبد الناصر. والبعض الآخر يدعو إلى "نهضة إسلامية كبرى" مدفوعا بمشاعر الحنين إلى العصور الزاهية للإمبراطوريات الإسلامية. وهناك آخرون يطلبون "نهضة تحديثية كبرى" مدفوعين بالغيرة من الإنجازات المبهرة التي حققتها بلدان الغرب الصناعي المتقدم.
هذه الإجابات تثير التأمل. فبرغم تباينها في عدد من النواحي، إلا أنها تميل جميعا إلى تبني معيار واحد لتحديد معنى النجاح والفشل، هو معيار السبق في المنافسة الاقتصادية مع الأمم الأخرى. ما يؤلم معظم أصحاب هذه الإجابات هو أن مصر، التي كانت متفوقة على كوريا الجنوبية قبل خمسين عاما، أصبحت اليوم في ذيل الأمم.
لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية التقدم الاقتصادي، فهو أساس كل تقدم، وهو أيضا يعطي الفرصة، إذا ما تم توزيع ثمراته بشكل عادل، لإجراء تحسين كبير في مستويات معيشة الكادحين. لكنه بالنسبة لنا ليس المعيار الوحيد، بل ليس المعيار الأهم.
قبل أن نقبل التقدم أو نرفضه، وقبل أن نرفع شعار النهضة أو ننكسه، علينا أن نسأل عن وسائل وأهداف هذا التقدم وتلك النهضة. من يدفع ثمن التقدم؟ ومن يقبض ثمن النهضة؟ هذه هي الأسئلة الجوهرية.
خذ عندك مثال محمد علي الذي يعتبره كثيرون "باني مصر الحديثة ومؤسس نهضتها". هل كان محمد علي فعلا صانع مصر الحديثة؟ هل بنى بنفسه القناطر الخيرية؟ هل حفر الريّاحات والترع بيديه؟ هل بنى المصانع بسواعده؟ هل حتى ساهم في إعداد الرسوم الهندسية والخطط المعمارية؟ أم أن جيشا من العمال والصناع والحرفيين والمهندسين قد قام بهذه المهام؟! وإذا كان الأمر كذلك، فهل حصد الفلاحون والعمال الذين صنعوا النهضة ثمرة عرقهم وجهدهم؟ بل هل شاركوا في تحديد نوع النهضة وأهدافها ووسائلها؟ أم أنهم سيقوا عنوة من قراهم ليؤدوا مهام شاقة لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟
باختصار، وحتى لا نطيل عليكم، نحن نرى أنه لا غبار علي"النهضة". لكن "النهضة" التي نريدها ليست فقط تشييد الصروح المعمارية أو تنفيذ المشاريع الإنتاجية. الأهم هو لمصلحة من؟ وعلى حساب من؟ ومن الذي اتخذ القرار؟ وكيف؟
النهضة التي نريدها تبدأ من أن يسيطر الكادحون وصناع الثروة في المجتمع على مصيرهم وعلى ما ينتجوه من ثروات، وذلك من خلال إزاحة الأقلية المسيطرة عنوة على السلطة والثروة. النهضة التي نريدها اسمها الاشتراكية، والطريق إليها هو ثورة المظلومين ضد الظلم وضد من ظلمهم.
ولعل أول ملامح الطريق الذي نتبناه للتغيير أنه يقوم على الإرادة الجماعية للجماهير. فلا يمكن تصور حدوث تغيير حقيقي دون أن يكون للفقراء الدور الأساسي في تحقيقه. وإذا كان الفقراء ينتمون إلى طبقات عديدة: عمال وفلاحين وحرفيين ومهمشين وعاطلين وموظفين وغيرهم، فإن هناك طبقة واحدة من بين هذه الطبقات هي المهيأة لقيادة عملية التغيير: الطبقة العاملة.
طبعا سيرفض كثيرون هذا الطرح بلا تردد. ولهم عذرهم! فالفكرة السائدة، التي تروج لها وسائل الإعلام ويؤكد عليها عدد وافر من الكتاب والمفكرين، هي أن عصر الطبقة العاملة انتهى!
ولكن رغم كل ما يقال عن أفول نجم الطبقة العاملة وتناقص أعدادها، فإن الحقيقة هي على العكس من ذلك تماما. فإذا نظرنا إلى حجم الطبقة العاملة في العالم، فإننا نجد أن عددها يصل إلى نحو 2 مليار شخص، أي حوالي ثلث من يعيشون على ظهر هذا الكوكب.
لا شك أن رقما كهذا ونسبة كتلك كانا سيصيبان شخصا ككارل ماركس، الذي أفنى عمره في الدفاع عن جوهرية دور الطبقة العاملة، بالدهشة البالغة. ففي عصر ماركس كانت الطبقة العاملة لا تتجاوز ملايين قليلة لا تزيد نسبتها في أي بلد عن 20% من السكان. ورغم ذلك، فإن هناك من يحاول أن يقنعنا أن العصر الذي كتب عنه ماركس "راح وانقضى"!
ومن ناحية أخرى، فإن أسطورة الاختفاء التام لعمال الصناعة في البلدان المتقدمة، والتي يجري الترويج لها هي الأخرى بقوة، تكذبها الأرقام. فقد الفترة بين 1973 و1998 تزايد عدد عمال الصناعة في الولايات المتحدة بمقدار 20% وفي اليابان بمقدار 13%.
لا ننكر أن هناك تناقص في عدد العمال الصناعيين في بعض البلدان (مثل بريطانيا وبلجيكا وفرنسا). لكن هذا يعد استثناء وليس قاعدة. وعلى أي حال، فإن تناقص الأعداد لا يعني تناقص الأهمية. فبرغم تناقص عددهم في بعض البلدان، إلا أن الوزن الاقتصادي لعمال الصناعة في تزايد مستمر. ففي الفترة من 1973 إلى 1990، تزايدت الإنتاجية في الصناعة بمقدار 2.8% سنويا في مقابل تزايدها في قطاع الخدمات بمقدار 0.8% (ثمانية من عشرة في المائة). وهو ما يعني أن عمال الصناعة أصبحوا أكثر أهمية في العملية الإنتاجية مع الوقت.
أما في الدول النامية، فالظاهرة تسير في الاتجاه المعاكس، نعني في اتجاه نمو الطبقة العاملة الصناعية بسبب نقل خطوط الإنتاج كثيفة العمل من الدول المتقدمة إلى تلك الدول التي "تتميز" بانخفاض الأجور وغياب التشريعات التي تحمي حقوق العمال وضعف النقابات، وهي كلها عوامل تؤدي إلى تدفق المزيد من الأرباح إلى حسابات الشركات الكبرى.
ولا يختلف الأمر في مصر. فبالرغم من التغيرات التي طالت الطبقة العاملة المصرية مع تصفية القطاع العام وضرب القلاع الصناعية الرئيسية في المحلة الكبرى وحلوان وشبرا الخيمة وغيرها، إلا أن حجم هذه الطبقة قد اتسع خلال العقود السابقة. فوفقا لآخر تعداد للسكان (أجري عام 1996)، تضاعف الحجم الإجمالي للعمال الأجراء في الحضر من نحو 3.3 مليون عامل في 1976، إلى 6 ملايين عامل في 1996. وفي الريف ارتفع حجم العمالة الزراعية وفقراء الفلاحين في نفس الفترة من 3.6 مليون إلى 4.2 مليون، وهو الرقم الذي تزايد بشكل كبير بالقطع مع تطبيق قانون العلاقة بين المالك والمستأجر في الأراضي الزراعية عام 1997.
الطبقة العاملة إذن ليست في مرحلة اندثار، بل هي على العكس الطبقة الأكثر أهمية في عالمنا المعاصر. ذلك أنها تقوم ليس فقط بإنتاج معظم ما نستهلكه من سلع وخدمات، ولكن أيضا بتشغيل مصانع وشركات الرأسماليين. وهذا ما يجعلها الطبقة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على شل آلة الاستغلال الراهنة وتغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي.
إن اهتمامنا الذي قد يبدو زائدا بالطبقة العاملة ودورها في التغيير له أسبابه الهامة. فالسؤال الاستراتيجي الأهم لمن يريد التغيير الحقيقي هو: كيف نقضي على المشكلة الاجتماعية من جذورها؟ فإذا كنت ترى معنا أن جوهر المشكلة التي يعانيها مجتمعنا هي تراكم الفقر والجوع على جانب والثروة والإهدار على جانب آخر، وأن تلك المشكلة هي أصل كل المشاكل الأخرى من ديكتاتورية وفساد واضطهاد للنساء والأقباط، فإنك لابد ستوافقنا على أن ضرب عملية الاستغلال في الصميم هو بداية الخروج من النفق المظلم الذي نعيش فيه.
هنا يأتي دور الطبقة العاملة. فمثلا لو قرر عمال مترو الأنفاق، وكل عمال المواصلات العامة، الإضراب، فإن هذا سيكون معناه عمليا توقف كل العمليات الإنتاجية أو الخدمية. إذن فمجرد إضراب قطاع اقتصادي واحد قادر على تكبيد الرأسمالية خسائر كبيرة. ليس هذا فقط، بل إن إضرابا بهذا الحجم وهذا التأثير سوف يكون خير معلم للعمال والكادحين. فمن خلال تجربة كتلك سوف يفهمون، في المحك العملي، حقيقة قوتهم.
إن ما نطرحه هنا هو "الاشتراكية من أسفل"، أي الاشتراكية التي تكون فيها الجماهير، بقيادة الطبقة العاملة، هي الفاعل الرئيسي في تغيير النظام وفي إدارة عملية الإنتاج. ولا يقتصر الأمر هنا على تأميم المصانع أو على توزيع الأرض على الفلاحين وتقديم الخدمات الاجتماعية المجانية في الصحة والتعليم، وإنما لابد أن يمتد ليشمل وصول الكادحين للسلطة وسيطرتهم على مصيرهم.
ولا يمثل هذا البديل ضربا من الخيال، لأنه طبق على أرض الواقع فعلا في روسيا خلال الثورة البلشفية عام 1917، ولمدة حوالي عشر سنوات، حينما كانت الطبقة العاملة الروسية قد وصلت إلى أعلى مستوى من الوعي والصلابة. فخلال تلك السنوات، كانت الطبقات الكادحة هي بالفعل صاحبة القرار الاقتصادي والسياسي، وكانت ثروات المجتمع وموارده موظفة لتوفير احتياجات غالبية السكان وليس لتوليد الأرباح لأقلية مستغِلة.
15. من هنا نبدأ
تجربة بلدان كإندونيسيا والأرجنتين وجنوب أفريقيا في الخمس عشرة سنة الأخيرة أوضحت أنه في معظم الأحيان، وبعد أن يهدأ غبار الانتفاضات الجماهيرية، تعود ريما لعادتها القديمة بعد بعض الإصلاحات المحدودة. فقد أسفرت انتفاضات تلك البلدان عن تحقيق بعض الحريات السياسية، وهو نجاح مهم لا ينبغي نكرانه. ولكنها لم تسفر عن تحقيق العدل الاجتماعي. بل زادت وتيرة البيع والخصخصة والإفقار. فكأنما السلطات الجديدة التي أتت بها الانتفاضات كانت لديها الشرعية التي افتقدتها الأنظمة السابقة للسير قدما في سياسات إفقار الجماهير!
هذه الإشكالية تعلمنا هنا في مصر درسا ثمينا. ففي مرحلة تظهر فيها تباشير التغيير ويبدو أن بديل الانتفاضة الجماهيرية غير بعيد، لا ينبغي أبدا أن يفكر كل من يريد تحقيق مصالح الجماهير في التحالف مع الإمبريالية أو مع الرأسمالية المحلية. على العكس لابد أن يسير تفكيرنا في اتجاه مضاد تماما.
لابد أن نفكر ونحن نستعد لانتفاضة جماهيرية قادمة في كيفية انتقال الانتفاضة من نقطة إسقاط السلطة السياسية التي تحمي الظلم والقهر، إلى نقطة إسقاط الأسس الاقتصادية للظلم والقهر.
هذا بالضبط ما نطرحه وندافع عنه. باختصار: نحن نرى أنه لابد الآن وفورا من بلورة تيار مناضل متماسك سياسيا في قلب حركة التغيير يسعى إلى ربط المعركة ضد الاستبداد السياسي (ديكتاتورية مبارك) بالمعركة ضد الاستغلال الاقتصادي (الرأسمالية المصرية) والإمبريالية العالمية (الولايات المتحدة)، ويرى أن الطريق للنضال ضد كل هذه الشرور هو كفاح الجماهير العريضة في كل موقع ومجال.
اليوم يخوض العمال نضالات عديدة ضد الظلم الاقتصادي. اليوم يعلو صوت الكثيرين ضد التمييز الديني أو العنصري الذي يتعرضون له. اليوم تتحرك النساء في العريش وسراندو ضد القهر السياسي. اليوم تبرز قوى تطالب بالوقوف ضد التمديد وضد التوريث. كل هذه المعارك هامة وضرورية. لكن انعزال المناضلين في هذه المعارك عن بعضهم البعض خطأ لن يفيد سوى الأعداء. العامل الذي يناضل ضد خصخصة مصنعه لن يحقق جنة العدل في مصنعه وحده. قوة نضاله تزيد عشرات المرات إذا ربط معركته ضد إدارة مصنعه، بمعركة أشمل ضد الدولة التي تخطط لخصخصة مصر كلها. القبطي الذي يخرج ضد الاضطهاد ستصبح جبهته أقوى وأكثر فعالية إذا سعى لكسب قطاعات من حركة التغيير، ومن الطبقة العاملة، إلى صفه. وهكذا.
هذا المسعى لتوحيد النضالات وصبها في تيار واحد لن يأتي من تلقاء ذاته. الواقع يطرح هذه الفرصة. لكن اقتناصها يحتاج إلى حزب اشتراكي ثوري مناضل. حزب موجود في كل تلك المعارك يكافح بصلابة وشرف من أجل توسيعها وتعميقها، ويدافع بوضوح واستقامة عن وحدتها، ويكسب قطاعات أوسع فأوسع من المقتنعين بصحة هذا الموقف.
هذا الحزب لا ينبغي أبدا أن يكون قصير النظر أو محدود الرؤية. مهمتنا ليس فقط توحيد معارك المقهورين والمظلومين. مهمتنا أيضا توجيه الضربة الصحيحة القاتلة للظلمة وأنصارهم. وهذا ما يطرح السؤال حول الإستراتيجية الأمثل للتغيير الجذري.
فكل الثورات والانتفاضات الناجحة على مر القرن الماضي كانت ترتبط بإضرابات عامة تظهر القوة الجماعية للكادحين في المجتمع، وتظهر اعتماد الرأسمالية الكامل على من تعاملهم معاملة العبيد. وفي معظم هذه الإضرابات، وآخرها التجارب في أمريكا اللاتينية في الأعوام الأخيرة، ظهرت إلى الوجود تلك المؤسسات السياسية ذات الطبيعة الخاصة التي تحدثنا عنها قبل قليل: المجالس العمالية أو المجالس القاعدية المنتخبة مباشرة من الجماهير في مواقع عملهم أو أحياءهم السكنية.
هذه المؤسسات تمثل النموذج الحقيقي للديمقراطية كما ينبغي أن تكون. فهي تكشف أمراض ديمقراطية الرأسماليين التي نراها في الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية. وهي تطرح بديلا عمليا يقوم على حيوية الجماهير ومشاركتها اليومية في اتخاذ القرار وتنفيذه. وهي – على المستوى الاستراتيجي – يمكنها أن تلعب دور السلطة الجديدة المعبرة بحق عن إرادة الملايين.
مهمتنا ليست فقط في التبشير بمثل تلك المؤسسات، ولا في التبشير بالدور المركزي للطبقة العاملة. مهمتنا اليوم، قبل كل ذلك وبعده، هي أن نخوض كل معركة ضد الظلم أو القهر أو القمع، وأن ندافع عن اتساعها وتجذيرها، وأن نحاول ربطها بغيرها من المعارك، استعدادا ليوم تحتل فيه الجماهير مقدمة مسرح التاريخ لتصنع مصيرها بأيديها. هذا يوم لا نحلم به فقط، بل نعمل من أجله.
16. الاشتراكية التي ندافع عنها
1. وكخلاصة لكل ما دافعنا عنه خلال صفحات هذا الكراس، نطرح على القارئ أسس الاشتراكية التي ندافع عنها:
2. الرأسمالية تعمل لمصلحة الأقلية المترفة وضد مصلحة الأغلبية الكادحة: ذلك أن النظام الرأسمالي يقوم في جوهره على الاستغلال وعلى نهب فائض القيمة من عموم العمال والكادحين. ثروة الأغنياء الطائلة مصدرها كدح الفقراء وعرقهم وبؤسهم. في عالمنا هذا تتراكم الثروة في جانب والفقر والجوع والمرض في جانب آخر. والليبرالية الجديدة، التي تطبقها مصر بحماس منقطع النظير، هي الشكل الأكثر همجية، في مطلع القرن الحادي والعشرين، للرأسمالية .. هي نتاج أزمة نظام الأرباح، وهي محاولة لتحميل الأزمة للفقراء.
3. لا يمكن إصلاح الرأسمالية من داخلها: لا زال للأفكار الإصلاحية سوقا واسعة. الكثيرون يتحدثون عن التغيير عن طريق بعض الإصلاحات هنا أو هناك. ولكننا نعلم أن عصر الإصلاحات قد ولّى. كلمة "الإصلاح" نفسها اختطفها غلاة الرأسماليين، فأصبحت على أيديهم تعني همجية السوق وإلغاء الدعم ورفع حماية الدولة. ولذلك، فإن من يدعو للإصلاح هو فقط يجَمل النظام القائم ويعطيه فرصة للبقاء. حتى أبسط الإصلاحات تحتاج إلى ثورة من أجل تحقيقها. في الماضي كانت الرأسمالية الصاعدة تعطي الأرض لمن يفلحها. اليوم هي تنتزع الأرض من الفلاحين لتعطيها لكبار الرأسماليين الاحتكاريين. فقط ثورة جماهيرية من أسفل هي التي من الممكن أن تعيد الأرض لمن يكدحون فيها.. فقط ثورة جماهيرية من أسفل هي التي من الممكن أن تحقق آمال المظلومين.
4. الثورة الجماهيرية من أسفل ممكنة وضرورية: التغيير لا يمكن أن يحدث على يد أقلية مختارة. التغيير لا يمكن أن يحدث بانقلابات القصور أو الجيوش أو بوصول مستبد عادل للسلطة. التغيير لن يحدث إلا على يد الجماهير. نضال الجماهير الجماعي الديمقراطي من أسفل هو الطريق إلى المستقبل. إذا كانت الرأسمالية تمتلك جهاز الدولة الذي يحتكر أسلحة القمع، فالكادحين يملكون قدرتهم على الكفاح كأغلبية كاسحة لها مصلحتها في القضاء على نظام الاستغلال والقهر. الكادحون يملكون قدرتهم على تسيير آلة الاستغلال الرأسمالي، وقدرتهم بالتالي على إيقافها وعلى الشروع في بناء عالم جديد. الثورة هي ذروة الكفاح الجماهيري من أسفل. الثورة هي صعود الكادحين إلى مقدمة مسرح التاريخ .. هي إمساكهم لمصيرهم بأيديهم .. وهي بداية الطريق إلى مستقبل جديد خالي من القهر والاستغلال.
5. الطبقة العاملة هي الطبقة القائدة للنضال الثوري: لا شك أن الثورة ستكون عيدا لكل الفقراء. لكن من بين كل المقهورين في عالمنا المعاصر توجد طبقة واحدة لديها القدرة على قيادة معسكر المظلومين إلى النصر – الطبقة العاملة. والطبقة العاملة كما نفهمها ليست فقط عمال المصانع، وإنما هي كل العاملين بأجر والخاضعين لسيطرة وسلطة رأس المال، سواء كان عملهم في مصنع أو في أي مؤسسة إنتاجية أو خدمية أخرى. تلك الطبقة، بحجمها الهائل في عالمنا المعاصر، وبتنظيمها وحداثتها ومصالحها، قادرة على دخول المعركة إلى النهاية، وقادرة على شل حركية الرأسمالية ومصدر أرباحها، ومن ثم هي قادرة على تحقيق النصر لمعسكر المقهورين. فأغلال الرأسمالية لابد أن تحطم حيث توجد: في نظام استغلال العمل المأجور.
6. دولة العمال والكادحين هي الهدف المبتغى: لن تكلل الثورة بالنصر إذا ما أزيح حاكم رأسمالي وحل محله حاكم رأسمالي آخر. الانتصار له معنى واحد فقط: نهاية كل أشكال الاستغلال والقهر والاستبداد. ومن ثم فإن هدف الثورة ينبغي أن يكون تحطيم جهاز الدولة الرأسمالي وإحلاله بديمقراطية عمالية يكون مثلها هو كل تجارب ثورات القرن العشرين وأهمها الثورة البلشفية 1917. دولة العمال هي دولة الديمقراطية المباشرة حيث يشارك الكادحون، من خلال مجالسهم العمالية المنتخبة في كل موقع ومكان، في تقرير مصيرهم وفي إدارة المجتمع بموارده وثرواته.
7. لابد للثورة أن تحرر كل المضطهدين والمقهورين: الثورة ليست عملا جزئيا. الثورة ليست مهمة محدودة. الثورة هي تحرير شامل وكلي. النضال العمالي الظافر لابد أن يتبنى مصالح كل المقهورين. كل أدوات تقسيم الطبقة العاملة بين رجال نساء، سود وبيض، مسلمين ومسيحيين، لابد من مواجهتها بكل الحزم. والطريق الوحيد لذلك هو نضال الحركة الثورية من أجل تحرر المرأة والسود والمسيحيين والأمم المضطهدة من كل صنوف الظلم والقهر والهيمنة. الاشتراكي الحق هو خادم لكل المضطهدين. والاشتراكية الحقة هي التي تحرر كل المظلومين.
8. لا توجد اشتراكية في بلد واحد: النظام الرأسمالي سلسلة واحدة منتظمة في سوق عالمي واحد. بالقطع يمكن كسر السلسلة عند إحدى حلقاتها. ولكن المهمة لن تتم إلا بتحطيم السلسلة كلها. ولذلك فالثورة العالمية ليست ترفا أو عملا إضافيا. الثورة العالمية هي صميم الإستراتيجية الثورية الظافرة. انتشار الثورة، وأساس إمكانيته هو وحدة العالم ووحدة أزمته، لابد أن يكون هدفا أصيلا لأي نضال ثوري محلي. والأممية الثورية هي الرد المنطقي الوحيد على مخططات مجالس إدارات العالم في قمة الثمانية وفي منظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات الرأسمالية العالمية.
9. الحزب العمالي المناضل ضرورة للتغيير: الثورة ليست نزهة. الطبقة الحاكمة موحدة ومنظمة. جهاز الدولة يمثل عقلا وجهازا إداريا رفيع المستوى يقوم من خلاله الحكام بإدارة شئونهم. ومن ثم فإن الجماهير الكادحة تحتاج إلى عقل وإلى ذاكرة وإلى جهاز تنظيمي مغروس في داخلها يقود حركتها ويقف ضد تفاوتات وعيها وتذبذب حركتها. الحزب العمالي المناضل والمتفهم لخبرة التاريخ ولخبرة طبقته يستطيع أن يقوم بهذه المهمة. هذا الحزب لا يسقط من السماء. هذا الحزب يبني بالكفاح والصبر والعمل. وبناؤه لابد أن يكون هدف كل مناضل من أجل العدل والحرية .. من أجل الاشتراكية.
10. المعركة ليست سهلة ولكنها اليوم ممكنة: لا شك أن عالمنا المعاصر يحمل فرصا كبيرة للمناضلين من أجل العدل والحرية. نحن نعيش عصر الاستقطاب في أعلى صوره. فالليبرالية الجديدة بدأت تفصح عن وجهها القبيح. وإمبريالية ما بعد الحرب الباردة كشفت عن أنيابها. كل أوهام مطلع التسعينات بدأت تتبدد: السلام الإمبريالي ذهب أدراج الرياح، والاستقرار الرأسمالي فقد معناه، والنمور بدأت تعاني الأزمات، وفورة النفط تخبو. من جانب آخر، نرى اليوم الصعود المدوي لحركات مناهضة للعولمة الرأسمالية والحرب في تضافر مثير للتأمل مع صعود حركات التحرر الوطني الباسلة. الشرق الأوسط ساحة ليس فقط لليبرالية الجديدة والرأسمالية الجديدة بكل همجيتها، ولكن أيضا لتعزيز هيمنة الإمبريالية الأمريكية عالميا. هذا الجزء من العالم يغلي وينتظر التغيير على أحر من الجمر. فقط من لا يمكنه أن يرى سينكر أن المنطقة مقبلة على زلازل. النضال الجماهيري من أسفل، والاشتراكية كبديل، لابد أن يحفرا لنفسيهما طريقا ومجرى. هذا أمر ممكن. وهو أيضا ضروري. وشرطه الانخراط في كل معركة ورفع راية التحرر في كل ساحة ومجال.
هذه هي رؤيتنا. فهل تنضم لنا لنناضل سويا ضد الاستغلال والقهر والاستبداد؟


Good Job!
I am astonished by your liberal but socialist way of thinking. Good job! Keep up the good work guys. I have great hope in you.
Dalia Ziada, Tharwa Foundation Coordinator in Egypt