
تصوير محمد معروف
الانتفاضة والفوضى
الانتفاضة والفوضى
علي منصوريبني الاشتراكيون الجذريون في العالم كله رؤيتهم السياسية على افتراض واحد أساسي: أن الجماهير – وفي القلب منها العمال – قادرة على انتزاع حريتها السياسية والاقتصادية من خلال عمل انتفاضي قد يفضي، إذا ما توفرت الشروط المناسبة، إلى ثورة اجتماعية شاملة. في المقابل، يطرح كل الساسة "المحترمين"، وكثير من اليساريين من مختلف الأنواع، فكرة جوهرها أن الانتفاضة إما خيال لا مكان له إلا في عقول الواهمين من مرضى الطفولة اليسارية، أو خطر داهم سيؤدي لا محالة إلى الفوضى وانهيار المجتمع.
أصل العداء للانتفاضة
فكرة أن انتفاضة الجماهير هي الفوضى بعينها فكرة قديمة ومسيطرة. مصدر قوة هذه الفكرة ليس عمقها أو صحتها، وإنما طبيعة المجتمع الطبقي – خاصة في مراحل ركود الصراع الاجتماعي وتراجع ثقة الجماهير. كارل ماركس يقول أن "الأفكار المسيطرة هي أفكار الطبقة المسيطرة". وهو على حق. في المجتمع الطبقي مَن يملك أدوات الانتاج المادي (المصانع والحقول والمؤسسات والشركات على أنواعها) يملك أيضا أدوات إنتاج الأفكار (وسائل الإعلام ومؤسسات التربية). من هنا فهو قادر على التحكم في الأفكار التي تُبث في التليفزيون والإذاعة، وعلى التحكم في مناهج التعليم والتربية. علاوة على ذلك، فإن قوة العادة والخوف من القمع وسيطرة الساسة الانتهازيين كلها عوامل تساعد على تعميق الشعور بالدونية أمام أفكار الطبقة المسيطرة، ومن ثم على قبول تلك الأفكار.
في ظل وضع كهذا يمكنك أن تفهم لماذا تنتشر فكرة أن الانتفاضة شغب وغوغائية. الطبقة المسيطرة بالطبع لا يمكنها أن تقبل "ثورة العبيد". هي ترى فيها ليس أكثر من تمرد على النظام "الطبيعي" للمجتمع. ماذا يمكنك أن تنتظر ممن لهم مصلحة في استقرار الوضع الراهن. "طبيعي" أن يصفوا أي عمل يضرب التوازن السائد ويخلخل أسس المجتمع على أنه فوضى. وهو بالفعل فوضى .. إذا فهمت "الفوضى" على أنها ضرب في "نظام" الاستبداد والاستغلال.
ليست فقط الطبقة المسيطرة هي التي ترفض الثورة، بل أن فئات كثيرة من الطبقات الوسطى والبرجوازية الصغيرة عادة ما يسود بينها فكرة أن الخضوع للسادة هو الشيء الوحيد الممكن توقعه. الذي يبني حياته على أمل – غالبا زائف – في الصعود إلى مصاف المسيطرين، لا يمكن أن تتوقع منه أن يتشكك في نظام السيطرة ذاته.
في سياق كهذا من السهل فهم لماذا تتأثر قطاعات واسعة من جماهير الكادحين والمسحوقين بالرؤية السلبية للثورة والانتفاضة. إذ تتسرب الأيديولوجية البرجوازية من أعلى إلى أسفل بكل الوسائط والوسائل. ومن ثم تجد أن عمالا مناضلين قد يقبلون ضرورة الإضراب وقد يقدرون أهمية النضال ضد تخفيض الأجور، بينما هم يتشككون في ضرورة أو جدوى الثورة الشاملة.
هل الانتفاضة فوضى؟
الانتفاضة في حقيقتها أكبر عمل إبداعي ينجزه بنو الإنسان. أكبر الثورات في التاريخ لم تحدث وفق خطة مسبقة. لم نسمع أبدا أن أحدا، بما في ذلك الثوريين، قد توقع الثورة الفرنسية أو البلشفية أو الإيرانية. إذن، فالثورات هي – بمعنى ما – أكبر مغامرة عفوية تدخل فيها الطبقات الخاضعة والمسحوقة. ولكن من هذه العفوية تتشكل رؤى وبرامج ومسارات تحل المعضلات التي لم يكن ممكنا أبدا حلها في الظروف العادية.
كيف تؤدي العفوية إلى بلورة أعمق البرامج وأكثرها جذرية؟ كيف يولد من غير المخطط أبدع الخطط؟ الإجابة هي أنه لا توجد أبدا عفوية مطلقة. الاشتراكي الثوري الإيطالي أنطونيو جرامشي كان يؤكد أنه تحت قشرة العفوية ستجد دائما وعيا كامنا. فمن يخرجون ذات صباح (أو مساء) إلى الشوارع ليملأوها ويسيطروا عليها ويصنعوا الانتفاضة هم بشر عركتهم الحياة وبلورت لديهم رؤى وتصورات. من بين هؤلاء سيولد قادة من ملابسات اللحظة. هؤلاء القادة لم ينصّبوا بالصدفة. هؤلاء في الأغلب هم الأكثر جرأة وفهما وقيادية من بين الجموع. وهم يحملون وعيا متقدما عن أقرانهم من الكادحين.
إنكار وجود وعي طبقي، أحيانا حتى شديد العمق، لدى جموع الجماهير لحظة الثورة هو خطأ فادح. كيف يمكننا إذن أن نفهم حقيقة أن الجماهير في معظم الثورات – وقبل أي دعوات من أحزاب منظمة – تندفع في تكوين أشكال نضالية ذات تأثير حاسم في مجرى النضال كمجالس العمال ولجان المصانع والسوفيتات؟
المشكلة في الحقيقة ليست في عدم وجود وعي – أحيانا حتى طبقي- سياسي – ولكن في عدم تجانس وعي الأقسام المختلفة من الطبقة العاملة ومن الجماهير عموما. فالجماهير التي تتحرك، بفهمها الحاد لمن هو العدو، تتوقف أمام سؤال رئيسي: وما هو البديل؟ كل الثورات تبدأ بتوافق شعبي عام وبسيط: "نحن لم نعد نطيق النظام الراهن". ولكن المشكلة تبدأ عندما يُطرح السؤال: "وما هو النظام الذي نريده أن يكون بديلا للنظام الراهن؟" عند هذه النقطة يظهر للكل أن الثورة ليست عملا سهلا. عند هذه النقطة أيضا تبرز من بين الطبقات الحاكمة قوى وعناصر تحاول أن تقنع الجماهير أن تغيير الأشخاص، أو ربما تغيير محدود في شكل الحكم، هو عمل كاف لتحقيق مطامح المستغلين.
الانتفاضة والوعي
كثيرا ما نجد من يقول لنا أن حل معضلات أزمة الوعي في الانتفاضة هو الصبر وتربية الجماهير (العمالية بالتحديد) وتوعيتها حتى ما إذا قامت الثورة فإنها تجد الجماهير جاهزة وموحدة ومنسجمة! صورة مثالية حقا: الجماهير ليست موحدة في وعيها .. فلنرب الجماهير إذن على مهل .. ثم لنصنع الانتفاضة في الوقت المناسب!!
هذه الرؤية، على طرافتها، تؤدي في معظم الأحيان إلى الوقوف ضد الثورة. إذا لم يناسب توقيت الثورة تحليلاتك "العلمية" فإنك بالتأكيد سوف تقول أن هذه ثورة خطأ! ولكن هذا التفكير كله عبث. فالثورة لم تصنعها أبدا أية قوة سياسية. الثورة تأتي في لحظة لا يقررها أحد. فإما أن تنخرط فيها أو أن تعاديها. لا بديل ثالث.
الأهم من ذلك أن الصورة المثالية التي تطرحها النظرية التي لخصناها لتونا – تلك الصورة التي تقول أن علينا الانتظار والعمل حتى يرتفع وعي الجماهير – تتجاهل السؤال الرئيسي: وهل يتطور وعي الجماهير بالقيام بالتوعية المدرسية؟ إذا قبلت بفكرة ماركس الرئيسية التي تقول أن وعي الجماهير يتبلور ويتطور في النضال، فسوف تفهم بسهولة أن الطريق الوحيد للوعي الطبقي هو النضال. لا يوجد وعي طبقي في معهد علمي للوعي الطبقي. الوعي الطبقي يولد في معمعة المعركة. ودور المنظمة الثورية هو بالضبط أن تنغمس في نضال الأقسام الأكثر تقدما من الجماهير (نعني هنا بالذات العمال) فتتعلم منه وتعممه وتحفظ خبراته، وليس أن تفتح "كتّابا" لتحفيظ الوعي الثوري.
كان لينين قد كتب مقالا في أتون الثورة البلشفية 1917 عنوانه "الثورة تُعلّم". لينين بلور بعمق كل فكرة الثورة: الثورة تعلم الجماهير في شهور قليلة ما لم يكن ممكنا أن يتعلموه في سنوات طويلة عادية. هل يمكن للجماهير أن تتعلم حدود الإصلاحية وخيانتها إلا في المحك .. عندما ترى الإصلاحيين وهم يتنصلون من كل وعد وينكثون بكل تعهد؟
يعلم الثوريون أن انتصار الثورة ليس مضمونا. ولكن موقفهم هو أنه بدلا من الوقوف في صف أعداء الثورة بادعاء الخوف على الثورة من الهزيمة، الواجب هو النضال بلا هوادة من أجل تأمين شروط امتداد الانتفاضة وانتصار الثورة. والترجمة العملية لهذا الواجب هي ضرورة أن ينغمس الاشتراكيون في نضالات الجماهير فيبنون جسرا معها ويخلقون حزبا جماهيريا يبلور خبراتها ويصهرها ويلعب دور القيادة من أوساط الكادحين لا من فوق رؤوسهم. هذا هو السبيل الوحيد لشحذ طاقات الجماهير وتوحيدها في غمار الثورة. أما الخوف من امتلاك الجماهير لمصيرهم بأيديهم بدعوى الخوف عليهم من قلة وعيهم .. فنتركه لمن كفر بالجماهير وبقدراتها الخلاقة.

