من دروس انتفاضات عصرنا

warning: Invalid argument supplied for foreach() in /var/www/sites/drupal5/sites/all/themes/bluesolid_customized/page.tpl.php on line 32.
( )

من دروس انتفاضات عصرنا

جمال جبر

"البلد دى عايزة ثورة".. هذه هى كلمات أحد عمال منطقة أبو زعبل في صيف 2004 احتجاجاً على سياسة الحكومة المصرية لطرد العمال من مساكنهم. لكن ماذا تعنى الثورة بالنسبة لهذا العامل البسيط؟ كيف يرى التغيير الذى يحلم به؟ هل يقصد القضاء على الفساد والديكتاتورية وقيام ديمقراطية برلمانية دون المساس بأسس المجتمع الرأسمالي؟ أم يقصد ثورة شعبية تطيح بالديكتاتورية والاستغلال الرأسمالى فى آن واحد وتدشن لمجتمع جديد قائم على العدل والحرية؟

الحقيقة أن جميع هذه الأسئلة ربما لم تدر بخلد هذا العامل، فى حين كان كل همه هو صد هجوم الحكومة على مسكنه الصغير الذى أرادت طرده منه، وأصبح مقتنعاً أنه ليس هناك من وسيلة لتحقيق ذلك سوى بالثورة. لكن هذه الأسئلة طرحت نفسها بقوة على خلفية التغيرات السياسية العالمية منذ أوائل التسعينات وتفجر حركات جماهيرية فى مختلف مناطق العالم فى إطار أزمة النظام الرأسمالى العالمى. هذه الحركات التى أطاحت بديكتاتوريات عتيقة فى جنوب شرق أسيا وأمريكا اللاتينية وبعض بلدان أوروبا الشرقية، توقفت عند حد الإصلاحات الديمقراطية دون المساس بأسس النظام الرأسمالى الذى تسبب فى تلك الأزمات الطاحنة التى دفعت الجماهير للثورة. كما يلاحظ أن الرأسماليات المتقدمة فى أوروبا وأمريكا شهدت أيضاً تفجرات شعبية على خلفية الأزمة ظهرت بوضوح فى سياتل وجنوة وحركة مناهضة العولمة ثم حركة مناهضة الحرب، لكنها أيضاً لم تتبلور فى إتجاه ثورى يهدف للإنقضاض على أسس النظام الرأسمالى. هناك غياب واضح للبديل الإشتراكى أو الثورى فى جميع هذه الحركات، فكيف يمكن فهم ذلك؟ وأى آفاق أمام التغيير الثورى متاحة فى عالم اليوم؟ وما أهمية ذلك بالنسبة لعملية التغيير فى مصر، خاصة مع تشابه الظروف فى كثير من البلدان التى شهدت هذه التغييرات مع الظروف السياسية والإقتصادية والإجتماعية التى تمر بها مصر الآن؟

ثورات لم تكتمل!

شهدت حقبة التسعينات وبدايات الألفية الجديدة سلسلة من الإنهيارات لأنظمة الحكم الديكتاتورية على يد حركات شعبية من أسفل فى مختلف أنحاء العالم، بداية بانهيار دول الكتلة السوفيتية فى أواخر الثمانينات على أثر قيام انتفاضات شعبية أطاحت بنظمها الستالينية. كما شهدت أواخر التسعينات سقوط نظام سوهارتو فى إندونسيا على يد حركة جماهيرية واسعة قادها الطلاب. ومع بزوغ فجر الألفية الجديدة تجدد شباب القارة الثائرة، أمريكا اللاتينية، لتشهد أهم وأوسع الحركات الجماهيرية ضد الديكتاتورية والليبرالية الجديدة، فى الإكوادور والأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وفنزويلا.

كانت الإنهيارات المدوية لنظم رأسمالية الدولة فى الإتحاد السوفيتى وأوروبا الشرقية فى بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا وألمانيا الشرقية ورومانيا.. وغيرها على يد انتفاضات شعبية واسعة، إيذانا بمرحلة جديدة من الحركات الجماهيرية ضد ديكتاتورية النظم الستالينية وهذا الشكل من الإستغلال الرأسمالى القائم على تحكم الدولة. 

فقد وصل قطار الستالينية فى تحقيق التراكم الرأسمالى باستخدام قهر الدولة وبيروقراطية الحزب إلى آخر محطة. حيث لم يعد قادرا على اتباع نفس الأدوات القديمة فى تحقيق التراكم والمنافسة على الصعيد العالمى. بدا ذلك واضحاً فى أزمات إقتصادية طاحنة أرهقت السوفييت على مدار السنوات وفشلت معها كل وسائل الترقيع. حيث انهارت معدلات النمو الإقتصادى من 5.7% فى النصف الأول من السبعينات إلى 4.3% فى النصف الثانى من السبعينات ثم إلى 3.6% فى بداية الثمانينات. ولم تكن مظاهر الأزمة فى الاقتصاد فقط.  فعلى حد قول الإشتراكى البريطانى" كريس هارمن ".. كان الجيش قد غاص عميقاً فى مستنقع حرب في أفغانستان لم يكن بمستطاعه أن يكسبها، وكانت اللامبالاة والفساد منتشرين داخل البيروقراطية، بما فى ذلك مجموعة بريجنيف ذاته.. ويتبين عمق اغتراب غالبية السكان من الإستهلاك المتصاعد للخمور ومن الأنصار المتزايدين بين الجيل الأصغر لموسيقى الروك العدمية.. وقد اعترف بالأخطار التى يترتب عليها هذا الوضع رئيس المخابرات السوفيتية "أندربوف"، الذى تولى السلطة بعد برجينيف فى عام 1982، وهذا هو السبب فى أنه جلب جيلاً جديداً من رجال الجهاز الحزبى من الأقاليم إلى قيادة الحزب فى موسكو، أصبح جورباتشوف أبرزهم...".

ومع صعود جورباتشوف إلى السلطة بدأت مظاهر الأزمة تترجم على الأرض في شكل تحركات من أعلى ومن أسفل. حيث أعلن جورباتشوف عن سياسة البيريسترويكا (إعادة البناء أو إعادة الهيكلة) والجلاسنوست (الإنفتاح)، الذين سعى من خلالهما إلى إحداث إصلاحات هيكلية فى البنية الإقتصادية والسياسية فى الإتحاد السوفيتى للحيلولة دون التراجع المفجع لمعدلات التراكم. لكن هذه السياسات كانت بمثابة القشة التى قسمت ظهر البعير، حيث تفاقمت الأزمة الإقتصادية والإجتماعية واندلعت الإضطرابات فى كافة أنحاء الجمهوريات السوفتيتة فى شكل إضرابات عامة وصراعات قومية، وصلت أحيانا إلى حد الحرب الأهلية والانتفاضات المسلحة.

ولم يكد عقد الثمانينات ينتهى حتى أخذت أنظمة رأسمالية الدولة والنظم الستالينية فى الإتحاد السوفيتى وأوروبا الشرقية تتساقط الواحدة تلو الأخرى تحت وطأة الإنتفاضات الجماهيرية. وكما رصد كريس هارمن فى كتابه "العاصفة تهب"، فقد بدأ مسار التغيير فى بولندا والمجر. ففى ربيع وصيف عام 1988 وقعت فى بولندا موجتان من الاضرابات الواسعة، وفى المجر إنطلقت المظاهرات المعارضة بمئات الآلاف وتكونت أعداد كبيرة من الأحزاب، وهُزم مرشحو الحزب الحاكم فى سلسلة من الإنتخابات الفرعية.

كانت التغييرات التى حدثت فى بولندا والمجر بمثابة الشرارة التى أشعلت النار فى الهشيم. حيث انتقلت عدوى الإنتفاضة إلى ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا. فقد استطاعت المعارضة الضعيفة والصغيرة فى ألمانيا الشرقية أن تقوم بمظاهرتها الأولى التى قدرت بعدة آلاف فى درسدن فى أوائل أكتوبر 1988. ثم جذب عنف هجمات الشرطة على هذا الإحتجاج آلافاً أخرى إلى الشوارع فى إثنتى عشر مدينة فى الأيام التالية، حتى أصبحت قيادة الحزب الحاكم معزولة ويائسة. وفى تشيكوسلوفاكيا قرر الطلبة أن يخططوا لمظاهرة فى 17 نوفمبر من عام 1988 بمناسبة إحياء الذكرى الخمسين للاحتجاجات الطلابية على استيلاء النازى على البلاد. وكانت المظاهرة أضخم مما توقعت الحكومة والمعارضة على السواء، مما دعا الحكومة إلى إرسال قوة ضخمة من قوات مكافحة الإرهاب لتهاجم وتسحق المتظاهرين. وفى عطلة نهاية الأسبوع أعلن الطلاب الإضراب فى كل أنحاء البلاد، كما انضم الآلاف من الناس إلى المظاهرات، وتشكلت بشكل عفوى فرق تجوب كل البلاد لتشرح للناس فى كل موقع عمل وكل مدينة وقرية ما يجرى فى براغ. وفجأة تحولت الجماعة المعارضة، المنتدى المدنى، إلى حركة جماهيرية أظهرت قوتها فى 27 نوفبمر عن طريق تنظيم إضراب ناجح للغاية لمدة ساعتين فى كل أنحاء البلاد.

وعلى حد وصف كريس هارمن كانت الأحداث فى رومانياً أقرب إلى المشهد الكلاسيكى للثورة. حيث كانت البلد الوحيد الذى استخدم فيه العنف المسلح على نطاق واسع من قبل الديكتاتور الرومانى السابق شاوشيسكو لقمع العمال المضربين والمتظاهرين فى الشوارع. لكنه فشل فى قمع الحركة والقضاء عليها، واستطاعت الجماهير الثائرة السيطرة على مقار الشرطة وأسلحتها، وانتهى الأمر إلى إعدام شاوشيسكو وزوجته.

وإذا كانت نهاية الثمانينات وبداية التسعينات قد شهدت سقوط أنظمة رأسمالية الدولة على يد ثورات جماهيرية لم تكتمل، فقد شهدت نهاية العقد نفسه وبداية الألفية الجديدة انفجارات لا تقل أهمية عن الانفجارات التى أطاحت برأسمالية الدولة، ولكنها كانت هذه المرة ضد سياسات الليبرالية الجديدة التى اجتحات العالم وبشرت بها الرأسمالية العالمية باعتبارها نهاية التاريخ. قامت الجماهير الثائرة فى كل من إندونيسيا والأرجنتين والإكوادور وبوليفيا وغيرهم ممن تجرعوا وصفة صندوق النقد والبنك الدولى، قاموا ليعلنوا أن التاريخ لم ينته بعد، بل يواصل مسيرته، وأن حركتهم هى التى تحدد ملامح هذه المسيرة. 

فى أقصى الشرق من الكرة الأرضية، فى إندونيسا، سقطت ديكتاتورية سوهارتو التى استمرت 32 عاماً على يد انتفاضة الجماهير عام 1998، بعد سلسلة من المظاهرات الطلابية الدامية احتجاجاً على تداعيات الأزمة الإقتصادية الطاحنة التى شهدتها النمور الآسيوية، وفى القلب منها إندونيسيا، عام 1997. ولم يمض وقت طويل حتى انضمت قطاعات أخرى من المهمشين والعمال إلى الطلبة المتظاهرين، واشتعلت العاصمة جاكرتا بالغضب وامتدت الأيدى الثائرة للنيل من النظام فى شكل رموزه من البنوك والمصالح الحكومية وغيرها. وصلت الأحداث إلى ذروتها فى التاسع والعشرين من مايو حين احتل أكثر من ثلاثين ألفاً من الثائرين البرلمان ورفعوا شعاراً ضخماً يقول "أعيدوا السلطة إلى الشعب، يكفى 32 عاماً من الديكتاتورية"، وبعد يومين ظهر سوهارتو على شاشات التليفزيون معلناً استقالته ليأتى نائبه يوسف حبيبي رئيساً للجمهورية.

السيناريو يتكرر بروايات مختلفة فى أقصى غرب الكرة الأرضية فى القارة الثائرة أمريكا اللاتينية. حيث شهدت بداية الألفية الجديدة سلسلة من الإنتفاضات الجماهيرية أطاحت بالديكتاتوريات الحاكمة إحتجاجاً على الأزمة الإقتصادية والإجتماعية التى خلّفتها سياسات الليبرالية الجديدة هناك.

فخلال أربعة أسابيع فقط تداولت الأرجنتين 4 رؤساء فى أعقاب الإنتفاضة التى اجتاحت البلاد فى 19ـ20 ديسمبر 2001 على أثر إعلان الحكومة الأرجنتينية تجميد ودائع العمال والمواطنين فى البنوك، وتخفيض الأجور والمعاشات للقطاع الحكومى، ثم إعلان حظر التجوال بعد مهاجمة العاطلين لمحلات السوبر ماركت الكبيرة للحصول على الطعام، وانتهى الأمر بوصول البيرونى "دوهالدى" إلى منصب الرئاسة، ليدشن محادثات مكثفة مع صندوق النقد الدولى للخروج من الأزمة! 

كما شهدت الإكوادور أيضاً سقوط ثلاث حكومات متتالية كان أولها عام 2000 حين انتفض الآلاف من المواطنين احتجاجاً على السياسات الإقتصادية التى أفقرت قطاعات واسعة من الجماهير. حيث انخفض الناتج المحلى الإجمالى للبلاد بمقدار 7% عن العام السابق ووصل التضخم إلى 60%. ووقد اجبر تصاعد الإنتفاضة الرئيس "جميل ماهود" على الهروب خارج البلاد. لكن رغم سيطرة قادة الجيش على الحركة ودحر اللجان الثورية المشكلة، إلا أن الإحتجاجات استمرت على مدار السنوات الثلاث التالية. حيث شهد عام 2001 صدامات مسلحة وإضرابات وقطع للطرق. كذلك فى نهاية 2002 هُزم الليبراليون الجدد فى الإنتخابات الرئاسية لصالح التحالف الذى يقوده "جاتريز" أحد قادة الإنتفاضة الأولى فى عام 2000.

ولم يكد يمر عامان على هروب الرئيس الإكوادورى مستقلاً طائرة هليكوبتر حتى لحقه بنفس الطريقة الرئيس البوليفى "سانشيز دى لوزادا" عام 2003 على أثر انتفاضة الفلاحين المسلحين بالأسلحة البيضاء والمناجل والفؤوس، ومعهم العمال، فى أعقاب إعلان الحكومة تصدير الغاز الطبيعى إلى شيلى. لكن الحقيقة أن انفجار 2003 جاء كحصاد موجات متلاحقة من الإحتجاجات والمواجهات الدامية بدأت عام 2000 مع إعلان الحكومة خصخصة قطاع المياه، ثم ارتفعت حدة المواجهات مع زيادة الضرائب فى فبراير 2003.

أين توقفت حركة الجماهير؟

هكذا رأينا أن رياح الثورة انتشرت فى العالم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ضد أساليب التراكم الرأسمالى، سواء كانت فى شكل رأسمالية الدولة كما مثّلتها دول أوروبا الشرقية والإتحاد السوفيتى المنهار، أو فى شكلها الحديث تحت راية الليبرالية الجديدة. هذه الإنتفاضات تدحض بما لا يدع مجالاً للشك كل الإدعاءات البرجوازية حول أفول عصر الثورات الجماهيرية ونهاية التاريخ لصالح الرأسمالية. لكن يجب النظر بشكل مدقق إلى نتائج هذه الإنتفاضات حتى يمكن تحديد آفاقها.

الملاحظة الأولى هنا أن هذه الإنتفاضات شملت الحلقات الضعيفة داخل منظومة العالم الرأسمالى، أى تلك الحلقات التى لم تستطع الإستمرار فى المنافسة العالمية نظراً لعدم قدرتها على مواصلة التراكم بالنمط المتبع، سواء فى دول رأسمالية الدولة السابقة، أو الدول التى اتبعت وصفة الليبرالية الجديدة. والحقيقة أن أزمة هذه المجتمعات هى تعبير عن أزمة النظام الرأسمالى العالمى ككل. 

الملاحظة الثانية أن جميع الانتفاضات الجماهيرية التى اشتعلت فى تلك المجتمعات توقفت عند حد التغييرات السياسية، أو الإطاحة بالديكتاتورية واستبدال الكراسى مع بعض التحسينات فى شكل النظام السياسى دون المساس بأسس النظام الإجتماعى الرأسمالى التى خلقت الأزمة وتنتج الاستغلال والقهر باستمرار. وقد ظهر ذلك بوضوح فى المآل الذى آلت إليه هذه الحركات. ففى أوروبا الشرقية، فى بولندا مثلاً، قبلت حركة "تضامن" بزعامة ليخ فاونسا التى قادت الحركة الإشتراك فى الحكومة الجديدة الملتزمة باعادة البناء بالإتفاق مع صندوق النقد الدولى بما يمليه عليها ذلك من برامج للخصخصة والإتجاه المتسارع نحو آليات السوق. كذلك الأمر فى رومانيا، حيث انقلب قادة الجيش على الحركة التى أبدوا تأييدهم لها فى البداية، واحتكر الجنرالات القدامى فى جيش الديكتاتور زمام الأمور، كما بقيت السيطرة على المشروعات فى ذات الأيدى، وظلت القرارات التى تؤثر فى الإقتصاد ككل يتخذها أشخاص كانوا شخصيات قيادية فى الحزب الحاكم القديم. حدث نفس الشئ بدرجات متفاوتة فى كل من تشيكوسلوفاكيا والمجر. وفى إندونيسا ذهب سوهارتو ليحل محله نائبه يوسف حبيبي، ثم ميجاواتى سوكارنو، التى دعمت قبضتها من خلال سيطرة جنرالات جيش الديكتاتور السابق على زمام البلاد.

لم يختلف الوضع كثيراً فى أمريكا اللاتينية. حيث صعدت القيادات الإصلاحية لتنحرف بالحركة من التغيير إلى المساومة ومحاولة تحسين الأوضاع من خلال مفاوضات مع صندوق النقد الدولى، وهو ماحدث فى الأرجنتين فى أعقاب صعود دوهالدى بتأييد قادة الحركة أمثال "كتشنر". ونفس الشيء حدث تقريبا في بوليفيا والإكوادور.   

لماذا توقفت الإنتفاضة عند هذه النقطة؟ لماذا لم تنتقل إلى التغيير الإجتماعى؟ هنا يمكن رصد سببين رئيسيين، أولهما غياب واضح لحركة اليسار الثورى فى هذه الحركات، وعدم ارتباطه بجذور حقيقيه داخل الجماهير فى أى من هذه البلدان. وربما يعود ذلك فى الحقيقة إلى السبب الثانى، الذى يتمثل فى التراث السيئ الذى خلّفته الستالينية عن الاشتراكية كبديل إجتماعى على مدار تجربة الاتحاد السوفيتى الطويلة التى شوهت التجربة الإشتراكية، والمحاولات المستمرة للصق الاشتراكية بالستالينية، حتى أصبح سقوطها أى الستالينية يساوى سقوط الإشتراكية، وهو ما فرض على اليسار الثورى فى العالم أجمع مهام جسام لتصحيح الصورة وإعادة مد الجذور في أوساط الطبقة العاملة والجماهير، حتى تصبح فى القلب منها لحظة الإنتفاضة، لاسيما وأن إمكانية نجاح الإصلاحيين الجدد فى حل الأزمة ضعيفة للغاية، ولا تعدو كونها محاولة لن تستمر كثيراً لعرقلة حدة الصراع، لكن سرعان ما سوف تنفجر المواجهات مجدداً، طالماً استمر نمط الإنتاج الرأسمالى الذى يتوحش تحت ضغط أزمته.

ويكتسب هذا الأمر أهمية كبيرة بالنسبة لنا فى مصر، حيث تتطابق معظم الشروط الموضوعية للأزمة مع تلك البلدان التى شهدت إنتفاضات جماهيرية. فليس خاف على أحد احتدام الازمة الاقتصادية والسياسية، حيث معدلات الفقر المتنامية دون توقف، مع ارتفاع جنونى للأسعار لم يسبق له مثيل، ومعدلات بطالة تقفز بشكل غير مسبوق، بالإضافة إلى رائحة الفساد النتنة المنبعثة من قصور الطبقة الحاكمة ورموزها، وصراعات النخبة الحاكمة التى أصبحت على الملأ، كل ذلك يشبه كثيراً المشهد عشية الانتفاضات السابقة.

هكذا يصبح على اليسار الثورى مهمة كبرى فى الإستعداد للحظة الإنتفاضة القادمة، بالتواجد الحقيقى داخل الحركة، وخلق جدور متينة داخل الجماهير المصرية، حتى يصبح جزءا منها يمكنه التأثير فيها وتوجيهها نحو التغيير المنشود.