
تصوير محمد معروف
دروس للانتفاضة المصرية المقبلة
دروس للانتفاضة المصرية المقبلة
إسماعيل زاهر
"إن حل مشاكل طبقة بواسطة طبقة أخرى هو واحد من تلك الوسائل المركبة الطبيعية في البلدان المتخلفة". هذه المقولة التي ترد في الفصل الأول من كتاب ليون تروتسكي الكلاسيكي تاريخ الثورة الروسية كانت القانون الأساسي للانتفاضات الجماهيرية التي شهدها العالم في العشر سنوات الأخيرة. من إندونيسيا للأرجنتين والإكوادور وبيرو وغيرها، انتفضت الجماهير وأسقطت نظما وحكومات فيما شكل هزيمة واضحة لكل الادعاءات بغياب قوة الحركة الجماهيرية بغير رجعة. لكن أيا من هذه الانتفاضات لم يقدها الاشتراكيون، ولم يفلح أي منها أيضا في تحدي العلاقات الاجتماعية الرأسمالية.
عوامل تشابه في المقدمات والنتائج
الأسباب العميقة وراء هذه الانتفاضات كانت متشابهة وواضحة. فقد كانت كلها في دول ما يسمى بالعالم الثالث، وكانت في جميع الحالات رد فعل على السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي أفقرت قطاعات جماهيرية واسعة، وعلى الأزمات الحادة التي عرّضت لها هذه السياسات اقتصاديات تلك الدول مجبرة الملايين على دفع ثمن باهظ لم يكن من الممكن احتماله طويلا. في إندونيسيا، كانت الأزمة الآسيوية في الخلفية. في أمريكا اللاتينية كان التطبيق الكامل لتعليمات الصندوق وما أفرزه من أزمات في الأرجنتين والإكوادور وبوليفيا وغيرها، هو الشرارة التي فجرت انتفاضات متتابعة في القارة بدأت بالإكوادور في يناير 2000.
في هذا السياق مصر ليست مختلفة كثيرا. فعلى مدى السنوات الأخيرة بدا الإفلاس والانحياز الطبقي لسياسات الإفقار المباركية واضحا سواء في تأثيره على مستويات معيشة ودخول الملايين أو في التراجع العنيف لشرعية النظام الذي مازال يستند بالأساس إلى عصاه القمعية في البقاء. وفي ظل التصعيد المتوقع في هجمات اليمين الجديد المتمثل في حكومة لجنة السياسات فإن احتمالات انتفاضة جماهيرية ليست بعيدة أبدا، خاصة في ظل الاحتقان الإضافي الذي تضيفه تطورات الوضع الإقليمي في فلسطين والعراق وخطة توريث الحكم. لكن مثل هذه الانتفاضة المحتملة ستواجه تحديا لا يمكن تجنبه.
ذلك أن دروس انتفاضات السنوات الأخيرة التي أطاحت بعدد لا بأس به من رؤساء الجمهوريات وأسقطت نظام سوهارتو الذي حكم إندونيسيا بالحديد والنار على مدى ما يزيد على ثلاثين عاما، تشير إلى أنها جميعا واجهت مأزق أنها سلمت مصيرها مرة أخرى لأنظمة لا تختلف جذريا عما أسقطته. هذا الخطر هو أمر كامن في طبيعة العملية الثورية ذاتها ويتوقف تجاوزه على عوامل كثيرة.
من أين ينبع هذا الخطر؟
الانتفاضة ليست ثورة رغم أنها يمكن أن تجهز الأرض لواحدة. فالجماهير التي تشارك فيها تكون مدفوعة للحركة بالعداء لبعض مظاهر النظام القائم. وهذا يختلف عن إدراك الحاجة للإطاحة به كليا، أو الثقة في إمكانية عمل ذلك. لكن هناك شيء أساسي متشابه بين الانتفاضات الجماهيرية والثورات. فتاريخ الثورات هو قبل كل شيء تاريخ دخول الجماهير القسري إلى عالم السيطرة على مصيرهم الخاص.
وفي هذا الإطار لا يغير المجتمع مؤسساته (عندما تظهر الحاجة لذلك) بنفس الطريقة التي يغير بها ميكانيكي أدواته. على العكس، يعتبر المجتمع أن المؤسسات التي تحكمه هي معطى إلى الأبد. ولمدة عقود تكون الانتقادات المعارضة مجرد صمام أمان لعدم الرضاء الشعبي وشرط لاستقرار البناء الاجتماعي. ولكن في لحظات بعينها، وفي ظل شروط خاصة واستثنائية مستقلة عن إرادة الأشخاص والأحزاب، يصبح ممكنا للغضب أن ينطلق لتمزيق قيود الروح المحافظة حتى يصل بالجماهير إلى حافة الثورة.
على حد تعبير تروتسكي: التخلف المزمن للأفكار والعلاقات وراء الظروف الموضوعية حتى تلك اللحظة التي تنفجر فيها تلك الأخيرة في صورة كارثة هو ما يخلق في فترة الثورة هذه القفزات في الأفكار التي تميزها.
الجماهير لا تثور وفقا لخطة معدة لإعادة البناء الاجتماعي، لكن بإحساس قاطع بأنهم لا يمكنهم الاستمرار في تحمل النظام القديم. فقط الشرائح القيادية من أي طبقة هي التي تمتلك برنامجا سياسيا، وحتى هذا البرنامج يحتاج إلى أن ينجح في اختبار الواقع والأحداث وأن يحظى بإقرار الجماهير. لذلك فإن العملية السياسية الرئيسية للثورة تتكون من الفهم التدريجي الذي تكونه طبقة ما للمشاكل النابعة من الأزمة الاجتماعية وتوجهات الجماهير. وعندما تواجه الحركة عقبات موضوعية تظهر مخاطر الرجعية وخيبة الأمل في أوساط قطاعات من الطبقة الثورية، مما قد يؤدي إلى نمو اللامبالاة وإلى تقوية مواقع القوى المعادية للثورة.
لهذه الأسباب فإنه حتى عندما تخلق الانتفاضة الفرصة لوضع ثوري، تكون هناك فترة فاصلة تقفز فيها نسخ من الإصلاحية إلى المقدمة. يظهر كيرينسكي الذي قد يخلي مكانه للينين في مرحلة لاحقة أو لا. وفي كل انتفاضات السنوات العشر الماضية ظهرت تنويعات من الإصلاحية حاولت الانحراف بالهبات المعادية لليبرالية الجديدة عن طريقها. وحتى هذه اللحظة مازالت تلك "التنويعات الإصلاحية" تحجب نور القوى الثورية.
التجربة الإندونيسية ومصر
إندونيسيا تحمل عناصر تشابه مع الوضع المصري أكثر من غيرها. فعلى العكس من انتفاضات أمريكا اللاتينية، كانت انتفاضتها في مواجهة ديكتاتورية قمعية على رأسها رجل حكم البلاد ما يزيد على ثلاثين عاما. وهذا الوضع له خصوصية. حيث تصبح الحركة الجماهيرية المنتفضة بلا أذرع تنظيمية قوية تستطيع الاستناد عليها لتطوير نفسها. غياب حق التنظيم النقابي وحق التنظيم السياسي وعملية القمع المستمرة للمعارضين تضعف بشدة من تأثير الشرائح المتقدمة للطبقة العاملة أو تنظيماتها، التي تكون صغيرة الحجم والتأثير بفعل الديكتاتورية، مما يعرضها أكثر للتأثر بما يطرحه الإصلاحيون.
في الثورة الإندونيسية حلت الانتلجنسيا (فئة المثقفين من الطبقة الوسطى) معضلات حركة الجماهير على طريق مقولة تروتسكي التي أشرنا إليها في مطلع هذا المقال. ففي ظل غياب حزب ثوري مغروس في قلب الحركة كان الصوت المسموع هو صوت هؤلاء. ميجاواتي سوكارنو وأمين رئيس، وأحزابهم التي صعدت على أكتاف حركة الجماهير، هم الذين أوقفوا النضال الشعبي عند حد التغيير السياسي الشكلي فقط.
في إندونيسيا كانت الطبقة الوسطى غاضبة من النظام. فبحكم كونها حساسة بشكل عام للتخلف التكنولوجي وقلة كفاءة النظام والفساد الذي حرمها من فرص قيادية وفي نفس الوقت قاد النظام الاقتصادي والاجتماعي برمته للتراجع والانحدار، وجّهت هذه الطبقة غضبها ناحية النظام. ولذلك لم يكن لديها أي مانع من إسقاط سوهارتو ونظامه على يد الفقراء. لكنها في الوقت نفسه لعبت دورا هائلا في تحجيم الحركة سياسيا وطرح بدائل حجبت نور القوى الثورية على حد تعبيرنا سابقا.
في مصر، هناك موقف مشابه. قطاعات واسعة من انتلجنسيا الطبقة الوسطى غاضبة. نظام مبارك لم يعد قادرا على إدارة النظام بالكفاءة المطلوبة. ودور هذه الانتلجنسيا أصبح محكوما بالفساد المتغلغل في النظام. والديكتاتورية وتيبس النخبة يخنقان تطلعاتها. من هنا، وعلى أرضية الغضب الجماهيري المكتوم وتصاعد أزمة النظام التي لم تعد خافية على أحد، بدأت نبرة النقد التي لم تعد تمس أذناب النظام البعيدة فقط. لم يعد النقد في أوساط كتّاب الأهرام ومركز دراساته وأمثال مجدي مهنا مقتصرا على هذا الوزير أو ذاك، وإنما امتد لمبارك وأعمدة نظامه. ولا يخلو خطاب هؤلاء أيضا – الذين يحاصرهم فشل تكتيك التغيير من الداخل الذي أصبح مستحيلا – من إشارات إلى احتمالات تدخل جماهيري واسع. ولا يخفى هنا أن البدائل الإصلاحية التي قد تلعب نفس اللعبة قد تمتد إلى الإخوان المسلمين وإلى الناصريين وحتى قطاعات من اليسار الديمقراطي الأفق والغاية.
مواجهة هذا الخطر وتوسيع أفق الانتفاضة القادمة لهما شروط موضوعية أشرنا لها من قبل، لكن لهما شروط ذاتية أيضا. يقول تروتسكي:"بدون منظمة مرشدة فإن طاقة الجموع ستتبدد كالبخار غير المحبوس في مكبس. لكن بالرغم من ذلك فإن ما يحرك الأشياء ليس المكبس وإنما البخار". المنظمة الثورية التي تستعد بكل طاقتها لتلك اللحظة أيديولوجيا وسياسيا وتنظيميا لا غنى عنها.
ويبقى أن أحد الدروس، التي هي ليست الأخيرة، من الانتفاضات العالمية هو أنها وإن لم تقد إلى ثورات، لكن لم يتلق أولئك الذين شاركوا فيها أيضا هزائم نهائية. الإصلاح الجديد يبني نفسه على إعطاء وعود للجماهير وليس مواجهة شاملة للوضع. وعند نقطة معينة سوف يؤدي تصاعد الضغط من النظام العالمي على مكوناته القومية الأضعف إلى تصاعد المواجهة.

