تغيير سياسي أم ثورة اجتماعية؟

( )

تغيير سياسي أم ثورة اجتماعية؟

علي منصور

سان جوست أحد قادة الثورة الفرنسية العظمى (1789) قال ذات مرة أن من يصنعون نصف ثورة يحفرون قبرهم بأيديهم. هذه مقولة صحيحة أكدها التاريخ القريب والبعيد. ولكن الأكثر صحة اليوم أن نقول أن من يرفضون الثورة يرفضون في الحقيقة كل تغيير، أو حتى إصلاح، حقيقي.

الديموقراطية في خدمة رأس المال

شجعت ظروف السنوات الأخيرة كل ألوان الطيف السياسي في مصر على الحديث بجرأة غير معهودة عن التغيير. الأمر ذو الدلالة أن غالبية التيارات أجمعت، مع خلافها على بعض التفاصيل هنا وهناك، على أمرين: رفض الثورة الشعبية ورفع شعار "الديمقراطية السياسية كفاية".

من لا يزالون يتغنون بثورتي عرابي و1919، ومن احترفوا حشر يوليو 1952 في زمرة الثورات، باتوا اليوم متخصصين في الوعظ حول مخاطر الهبات الشعبية. من كانوا ذات يوم يرفعون الراية الحمراء، ومن كانوا ولا يزالون يرفعون الرايات الخضر المنقوش عليها الهلال والنجوم أو المكتوب عليها لا إله إلا الله، اتفقوا على أن الديمقراطية السياسية هي الغاية التي تسبق كل غاية.

"الديمقراطية السياسية كفاية"، برغم بريقه، شعار ليبرالي ردئ. الليبراليون المعاصرون يرون المجتمعات كتكوينات متجانسة تحتاج إلى إدارة رشيدة. فكما تقوم آليات السوق في الاقتصاد بتوزيع الموارد المحدودة بشكل رشيد فيما بين الاستخدامات المتعددة، كذلك فإن الرشادة في السياسية تعتمد على آليات الديمقراطية، وعلى رأسها الانتخابات البرلمانية، التي ستختار الأكفأ لإدارة المجتمع في كل مرحلة من مراحل تطوره.

على أن المجتمعات ليست تكوينات متجانسة. المجتمعات تتكون من طبقات متصارعة ومتناقضة المصالح. والدولة ليست حكما عادلا بين الطبقات. الدولة جهاز يحفظ، بالقوة المسلحة في نهاية المطاف، مصالح الطبقة المسيطرة اقتصاديا واجتماعيا. من هنا فإن الديمقراطية، كما نراها في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، هي آلية شديدة الخصوصية لضمان استمرار سيطرة أصحاب الثروة والسطوة.

الطبقة البرجوازية تفضل، من حيث المبدأ، الديمقراطية. ميزة الديمقراطية أنها تسمح للرأسماليين أن يغيروا من سياسات الدولة من مرحلة لأخرى وفقا لمصالحهم من خلال ميكانيزم يمنع أي تناحر أو عنف ويعطي الانطباع بالمشاركة الجماهيرية. بعبارة أخرى، الديمقراطية من وجهة نظر الرأسمالي هي آلية سلسة وسهلة لتغيير السياسات العامة بلا مخاطر.

قارن النظم الديمقراطية بالنظم الديكتاتورية حيث يبدو أحيانا أن صدام النظام السياسي مع الطبقة البرجوازية لا حل له إلا الوسائل العنيفة التي تحمل مخاطر عديدة لا تحمد عقباها. في ظل الديكتاتورية تضطر البرجوازية، عندما يصبح النظام السياسي عبئا عليها، إلى محاولة تغييره بواسطة أساليب عنيفة، خطرة، ومرهقة، كالإنقلابات أو التعبئة الجماهيرية.

لذلك لا تلجأ البرجوازية للديكتاتورية إلا عندما تكشف لها الأحداث أن الديمقراطية تمثل خطرا داهما على مصالحها. انظر مثلا إلى تجربة شيلي في مطلع السبعينات أو إلى تجربة فنزويلا مؤخرا. فعندما اكتشفت البرجوازيتان الشيلية والفنزويلية أن الديمقراطية أتت بحكومات ربما تضرب مصالحهما في الصميم، كان الرد هو استخدام كل الوسائل للانقضاض على الحكومة المنتخبة وتحطيم الديمقراطية.

نظام مفلس وطبقة مأزومة

نفس الشيء يمكن أن نقوله على مصر. الطبقة الرأسمالية التي ترعرعت في كنف نظام مبارك دانت له بالولاء على مدى عقدين من الزمان. كان النظام الديكتاتوري ضروريا من أجل حماية نظام شبه السخرة السائد في مصانع القطاع الخاص. كان ضروريا من أجل تحطيم إضرابات إسكو وكفر الدوار والمحلة والسكة الحديد في النصف الثاني من الثمانينات. كان ضروريا من أجل قتل الإسلاميين في الشوارع على مدار التسعينات.

لذا فقد قبلت الرأسمالية المصرية بالديكتاتورية لأنها كانت شرطا ضروريا لدفع التراكم المجنون. ولكن كان هناك ثمن: الفساد وتوحش النخبة الحاكمة بعشوائيتها وأوتوقراطيتها وانعدام كفاءتها. النكات التي تدور حول بعض رجال السلطة ذات مغزى هام هنا. الأسطورة الشعبية تقول أن أشخاصا معينين من رجال السلطة العليا لهم حصة معلومة في كل مشروع وصفقة، وأن الرأسماليين يرتفعون إلى أعلى عليين ثم يسقطون من شاهق وفقا لأهوائهم.

الحقيقة أن الأسطورة الشعبية ليست بالضبط أسطورة. إنها الحقيقة وقد أخذت شكلا شعبيا. فالنظام الديكتاتوري أصبح عبئا على الرأسمالية ليس فقط بعمولاته ورشاويه، ولكن أيضا بجموده وانعدام إحساسه بالواقع السياسي وتداعياته.

دلالة هذا التحليل هامة جدا. فالديمقراطية ليست فكرة مجردة تتربع فوق المجتمع وتناقضاته. فتماما كما أن العدالة ليست أبدا عمياء كما يصور لنا البعض، الديمقراطية كذلك ليست محايدة. قل لي من يدافع عن الديمقراطية أخبرك ما هو المضمون الاجتماعي لديمقراطيته. اشرح لي كيف تتحقق الديمقراطية، أدلك أي نوع من الديمقراطية هي. فعندما تسعى أجنحة من عقلاء الطبقة البرجوازية إلى الديمقراطية لإجهاض الانفجار الاجتماعي أو كراهية لنظام أصبح ضرره أكثر من فائدته، فإن ما تسعى إليه حقا هو ضمان مصالحها الاستراتيجية تحت مظلة سياسية جديدة. الديمقراطية في هذه الحالة لا تعدو أن تكون تسوية داخل القصر. وهي تولد هزيلة عرجاء محرومة من أي حيوية. فلأي سبب تعطي ديمقراطية صُممت لتحقيق مصالح أصحاب الثروة والسلطة، ونُفذت من وراء ظهر الشعوب، أي شيء جوهري للجماهير؟

الجناح من البرجوازية المصرية الذي يريد التغيير اليوم، على خلفية إفلاس النظام وتباعده عن الإمبريالية الأمريكية، يعيش تناقضا غريبا. هو يريد ديمقراطية تحل معضلته مع نظام مبارك. ولكنه يريدها ديمقراطية مستأنسة شكلية لا تقوي شوكة العمال، ولا تعطيهم أسلحة نقابية أو سياسية، وذلك حتى لا تؤدي إلى الاقتصاص من الأرباح أو إلى عرقلة ماكينات مص الدماء في شبرا الخيمة وحلوان والعاشر من رمضان. والتفاف هذا الجناح حول سيناريو التوريث ليس صدفة. هو انعكاس للجبن المتأصل في الطبعة المصرية لليبرالية. فمن خلال سيناريو التوريث يمكن أن تحل المعادلة التي تبدو بلا حل: التغيير بدون صدام بين الطبقة والسلطة السياسية التي تمثلها؛ التغيير السلس من الأب إلى الابن الملئ بالحيوية "الليبرالية الجديدة".

هنا نفهم أكثر لماذا شعار "الديمقراطية السياسية كفاية" شعار مضلل إلى أبعد حد. فأولئك الذين يقولون "هيا بنا ننسى خلافاتنا ونسعى جميعا، من خلال الإصلاح السياسي الهادئ والمحكوم من أعلى، إلى الديمقراطية"، كأنما يقولون "هيا بنا نعطي انقلاب القصر الذي ينقذ الطبقة الحاكمة ويجدد قدرتها على مص دماء الجماهير فرصة"!! من يضع مصالح الكادحين في المصانع والحقول والورش وكل أماكن العمل بين جوانحه لابد أن يسعى إلى فضح وتعطيل هذا المشروع الذي يحمل في طياته كل السوء للجماهير المصرية العريضة. هذا مشروع لن ينجب شيئا يختلف كثيرا عما يسمى بالديمقراطية التركية التي يمنحها ويمنعها الجنرالات بين يوم وآخر وفق أهوائهم.

على أن المفارقة هي أن الوضع الراهن يمثل، في وجه آخر من أوجهه، فرصة فريدة للتغيير الجذري في مصر. فصحيح أن الطبقة الحاكمة تسعى عبر سياسة التوريث إلى إخراج عملية التغيير بشكل سلس لا يسمح للـ"استقرار" إياه أن يهتز، إلا أنه من الصحيح أيضا أن ما دعا تلك الطبقة في أول الأمر إلى التفكير في التغيير هو الأزمة المستحكمة التي تلف المجتمع. فعندما يتأزم المجتمع وينسد الأفق أمام استمرار عملية الاستغلال بنفس الأساليب القديمة، عندئذ تبدأ الطبقة الحاكمة في التململ والمناقشة والاختلاف، ومن ثم تولد فرص جديدة غير مسبوقة أمام الحركة الجماهيرية. فأي شرخ مهما كان بسيطا في جدار الطبقة الحاكمة يشيع جوا من الثقة في أوساط قوى المعارضة والحركة الجماهيرية. وهذا – في كثير من الحالات – يمثل الطاقة التي ينفذ منها قدرا كافيا من النور ومن الحيوية.

ثورة دائمة أم ثورة مُجهضة؟

من هنا فإن من يتحدثون عن ثورة جماهيرية في مصر ليسوا بالحالمين. الوضع السياسي كله يشير إلى هذا الاحتمال. المشكلة – كما يمكن أن نستشف من كل مشاريع الإصلاح المطروحة – أنهم يريدونها ثورة سياسية فقط. الليبرالية السياسية أصبحت اليوم دينا مقدسا لغالبية القوى المعارضة من الإخوان إلى اليسار المهادن. وهي ستجد لنفسها ألف مدافع في غمار المعركة. النشيد الجماهيري المفضل لكل هؤلاء سيكون "عودوا إلى منازلكم واتركوا للطبقة السياسية الفرصة لتؤدي دورها" .. "كفوا عن القتال ودعوا السادة المحترمين يقررون كيف يمكن استثمار نصر صنعتوه أنتم بدمائكم".

ينبغي أن يكون الرد الثوري على من سيسعون بقوة الإقناع وقوة السلاح إلى إيقاف عجلة الثورة عند أضيق الحدود السياسية هو "الثورة الدائمة". فلمّا تثق الجماهير بنفسها، ولمّا تعرف من تجربتها أنها هي صانعة الحياة والتاريخ، تولد الفرصة أن تتجاوز الثورة أفق التغيير السياسي إلى آفاق أرحب وأعظم. المجالس الجماهيرية والثورية التي تتشكل بشكل تلقائي في معظم الانتفاضات والثورات، من روسيا 1917 إلى الأرجنتين 2001، تطرح دائما سؤالا أساسيا: هل نكتفي بما حدث من إسقاط للنظام القديم ونحل مجالسنا ونعطي الفرصة للطبقة القديمة أن تدير الأمور؟ أم أن علينا إعطاء مجالسنا مهام وسلطات أوسع لتحسين أحوالنا اقتصاديا واجتماعيا؟ هل نعود إلى البيوت؟ أم نواصل الثورة؟ إقرأ تاريخ كل الثورات ستجد هذا السؤال مطروحا، وستجد دائما أن الإجابة النهائية تعتمد على وجود قوة منظمة تدافع سياسيا وعمليا، ومن خلال التجربة، عن ديمومة الثورة حتى تقضي الجماهير ليس فقط على نظام سياسي تعفن وإنما على علاقات اقتصادية واجتماعية فقدت مبرر وجودها.