
تصوير محمد معروف
أي تغيير نريده؟
أي تغيير نريده؟
تامر وجيه
لمصلحة من؟
يحتاج اليسار المناضل في مصر إلى أن يبلور موقفا واضحا من مسألة "التغيير" أو "الإصلاح" التي غطى الحديث عنها في الآونة الأخيرة على كل حديث. أرى أن نقطة البدء هنا هي طرح السؤال: تغيير لمصلحة من؟ وإلى أي مدى؟
الإجابة على هذا السؤال لدى الاشتراكيين بسيطة إلى حد مذهل: تغيير لمصلحة الجماهير الكادحة، وإلى أقصى مدى. بتعبير آخر: ثورة اجتماعية تقضي على أسس الاستغلال والاستبداد في مجتمعنا الرأسمالي.
المشكلة في هذه الإجابة هي أنها عادة ما تثير السخرية. إذ تتفق الأغلبية الساحقة من "الساسة" و"المثقفين"، حتى من أوساط اليسار، أن هذه أهداف مستحيلة. وتتفق أيضا أن من يرددونها هم واهمين يرددون أفكار وعبارات لينين وتروتسكي دون فهم أو تقدير للظرف الذي نعيش فيه.
إذا ما وضعنا السخرية جانبا، فسنجد أنه ربما يكون السبب الرئيسي لرفض فكرة التغيير الثوري الجذري هو أزمة اليسار ذاته. فما هو بالضبط وجه الجنون في أن تطالب بوقف جنون السوق الذي يدفع ملايين الأطفال إلى العمل في أسوأ الظروف بينما يعاني ملايين الشباب من البطالة؟ ما هو وجه الجنون في أن تطالب بتوزيع ملايين الشقق غير المسكونة على الملايين من سكان العشش والمقابر؟ ما هو وجه الجنون في أن ترفع شعار الأرض لمن يفلحها؟ وما هو وجه الجنون في أن تدافع عن حق صناع الحياة من الكادحين في أن يقرروا مصيرهم بأيديهم؟
الديمقراطية والتغيير
يبدو لي أن هناك فكرتان رئيسيتان تتردان بين بعض اليساريين للرد على من يقولون بأن التغيير الجذري والثورة الاجتماعية أمران ضروريان وممكنان. الأولى ترى أن الإصلاح السياسي الديمقراطي، وليس الثورة الاجتماعية، هو المدخل لتحقيق مطامح الجماهير. أما الثانية فترى أن الثورة الاجتماعية، وطبعا الاشتراكية، ليسا مطروحين على جدول أعمال المجتمع. أنا اعتقد أن الفكرتين خاطئتان.
لا شك أن الديمقراطية هدف صحيح ونبيل. ولا شك أيضا أن النضال من أجلها واجب على كل اشتراكي. ولكن لا ينبغي أن ننسى أنها ليست شكلا بلا مضمون. ممكن أن تكون هناك ديمقراطية في خدمة رأس المال، وممكن أن تكون هناك ديمقراطية في خدمة الجماهير.
الديمقراطية ليست كما يتوهم البعض إطارا محايدا يمكن أن تملأه بالخصخصة أو إذا شئت بالتأميم! الطريقة التي تتحقق بها الديمقراطية، ونوع الصراع السياسي-الطبقي الذي ينتجها، هما اللذان يحددان مضمونها الاجتماعي.
خذ عندك مثال ثورة 1919. التسوية الديمقراطية التي أتى بها دستور 1923 لم تقض على الاستعمار ولم تقض على الاستغلال. زد على ذلك أن حكومة سعد زغلول لاحقت الشيوعيين وجرّمت الشيوعية.
كيف نفسر ذلك؟ تفسيره أن ثورة 1919 لم تتجذر بما فيه الكفاية، ومن ثم انتهت بنصف هزيمة ونصف انتصار. البرجوازية التي قادت الثورة كبحت الجماهير ومنعتها من تحقيق مطامح أوسع من مجرد "نصف ديمقراطية سياسية". الثورة التي كان من الممكن أن تتحدى الاستعمار وكبار الملاك فشلت في ذلك لأنه كان هناك تناقض في المصالح بين من قادوها (الباشاوات) وبين من صنعوها (الجماهير).
هذا درس جوهري. كل ثورة تشارك فيها أو تحاول أن تركبها البرجوازية تحمل تناقضا. ربما يؤيد الأثرياء هبة الجماهير. ولكنهم يؤيدون مصالحهم أكثر من أي شيء آخر. ولذا فعندما تندفع الجماهير الثائرة إلى الأمام محاولة أن تطالب بحقها في الخبز والحرية، عندما يطالبون بتأميم المصانع ورفع الأجور ومواجهة البطالة، نجد البرجوازية وقد انقلبت على الثورة رافعة شعار "في هذا الكفاية"!
هل نريد ثورة مصرية ناقصة؟ هل نريد أن تتوقف هبة شعبية مقبلة عند حدود إسقاط الديكتاتورية فقط؟ هل نريدها أن تقدم ثمرة التضحيات الجماهيرية على طبق من ذهب لطبقة الرأسماليين الاحتكاريين؟
هذا الاحتمال "السيء" وارد في مصر الآن. الأزمة الاجتماعية والاقتصادية دفعت كل القوى للحديث عن "التغيير" و"الديمقراطية". البرجوازية المصرية نفسها تتحدث عن التغيير. ومن الوارد، كما أثبتت تجارب بلدان أخرى، أن تحاول فئات منها أن تركب على الهبة الشعبية لتوظيفها لمصلحتها ـ أي للإطاحة بنظام حكم أصبح عبئا على رجال الأعمال واستبداله بنظام حكم يسير بخطى أسرع على طريق رأسمالية السوق.
من هذا المنطلق فإن رفع شعار "الإصلاح السياسي أولا" يعد خطأ سياسيا كبيرا لا ينبغي أن يقع اليسار المناضل فيه. إذا كانت قناعتنا أن هبة شعبية وليس انقلاب قصر هي الطريق الوحيد للتغيير، وإذا كانت قناعتنا أن هذه الهبة تحمل امكانيات مفتوحة إما للهيمنة عليها وكبحها أو لتعميقها وتجذيرها ـ إذا كانت هذه قناعتنا فواجبنا أن نخوض المعارك بأفق تعميق كفاح الجماهير من خلال طرح مهام اجتماعية أوسع من مجرد الإتيان بديمقراطية تخدم رأس المال.
عصر الثورات الشعبية
الفكرة الأخرى التي يطرحها معارضو الاستراتيجية الاشتراكية الجذرية للتغيير هي أن الثورة الشعبية غير ممكنة في عصرنا. هذه الفكرة برغم انتشارها تتسم بالسذاجة. كل مطلع على التاريخ المعاصر لابد أن يعترف بمركزية دور الهبات الشعبية في التغيير. انظر إلى زلزال الكتلة الشرقية. انظر إلى جنوب أفريقيا، ثم إلى إندونيسيا والأرجنتين وبوليفيا وفنزويلا. انظر إلى انتفاضة الخبز اللبنانية مؤخرا، وقبلها إلى حركة مناهضة العولمة والحرب التي حركت الملايين في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. انظر إلى الإضرابات العامة في إيطاليا واليونان وإسبانيا ونيجيريا وغيرها من الدول. كل هذه مؤشرات على أن دور الجماهير في تصاعد.
بل إن أي متأمل لوضع الحركة الجماهيرية في مصر لابد له أن يعترف أن ليل التسعينات الطويل آخذ في الانحسار. من منا كان يحلم قبل خمس سنوات فقط بميلاد كل هذه اللجان والجبهات من "اللجنة الشعبية" إلى "مؤتمر القاهرة" إلى "أجيج" إلى "حركة عشرين مارس"؟ من منا كان يتوقع موجات المظاهرات من أكتوبر 2000 إلى أبريل 2002 إلى مارس 2003؟ ومن منا كان يجرؤ على تنظيم سلسلة مظاهرات ناجحة في قلب ميدان التحرير؟
المراهنة على الجماهير ليست حلما ساذجا وليست أمرا يمكن التفاوض حوله. انقلابات القصور لا تلقي للكادحين بالا. والاستجداءات للحكام تغذي الأوهام حول شرعيتهم وقوتهم. فقط النضال الجماعي من أسفل هو السلاح الذي يمكن أن يراهن عليه من يريد تغيير لمصلحة الجماهير.
مشكلة عصرنا ليست في أن الهبات الشعبية والنضال الجماهيري آخذين في التراجع. مشكلة عصرنا في الحقيقة هي أن الهبات الشعبية تقف عند حدود التغيير السياسي فقط. انتفاضة إندونيسيا أزاحت سوهارتو وديكتاتوريته. ولكنها لم تنجح في تحقيق مطامح الجماهير في نظام اجتماعي أكثر عدلا ومساواة. شيء مشابه يمكن أن يقال عما حدث في الأرجنتين وغيرها من البلدان.
هذا درس لنا. انتفاضة الجماهير ليست نزهة. البرجوازية لن تترك مواقعها بسهولة. وعلى من يسعى إلى تجاوز أفق التغيير السياسي البحت أن يبحث في شروط الانتصار الكامل لانتفاضة صنعتها جماهير تسعى ليس فقط إلى "الديمقراطية المجردة"، وإنما إلى "الديمقراطية التي تخدم مصالح الكادحين والفقراء".
ما العمل؟
لا يعني كل ما سبق أن نتخلى عن النضال الديمقراطي. على العكس، المطلوب هو تعميق وتجذير النضال الديمقراطي. أجنحة رئيسية في الطبقة الحاكمة المصرية تحلم بتغيير سلس يأتي بجمال مبارك إلى السلطة. واجبنا أن نناضل ضد هذا "الحلم" وأن نرفع شعار "لا للتجديد .. لا للتوريث .. نعم للديمقراطية".
ولكن هذا ليس كافيا. علينا أن نبشر بالطريق الجماهيري للتغيير. علينا أن نعارض كل أوهام التغيير من أعلى وكل صفقات القصر. التسويات داخل الطبقة الحاكمة لن تحقق للكادحين شيئا. والتغيير بالتعاون مع واشنطن سيفتح الباب لهمجية الطبعة الأخيرة من الليبرالية الجديدة.
فوق كل ذلك علينا أن نكون واضحين تماما حول المضمون الاجتماعي للديمقراطية التي ندافع عنها. إذا كنا نريد ديمقراطية يصنعها نضال جماهيري على المتاريس، فلا أقل من أن ندعو هذه الجماهير ليس فقط إلى إسقاط ديكتاتورية القمع، وإنما أيضا إلى إسقاط المصالح الطبقية التي تحرسها. المعركة التي ستسقط السلطة الشمولية ينبغي أن تسقط سياسات الخصخصة والإفقار. شعار "لا للديكتاتورية" لابد أن ينصهر في شعار "لا لسياسات السوق".
لقد فتح إفلاس النظام الديكتاتوري الباب للحديث عن التغيير. وضع كهذا يحمل الكثير من البشارات. ولكنه أيضا يحمل الكثير من المخاطر. واليسار المناضل مطالب بأن يكون على قدر المسئولية. لا بديل عن أن ننخرط في مهمتين تكملان بعضهما البعض: النضال اليومي جنبا إلى جنب مع الجماهير في مصانعها ومزارعها ومواقع عملها، وطرح استراتيجية سياسية للتغيير من أجل وبواسطة الجماهير.

