التغيير: متى وكيف؟

( )

التغيير: متى وكيف؟

القضية الرئيسية على كل الألسنة اليوم هي التغيير. نخبة المثقفين والساسة في هذا البلد تتحدث مباشرة عن ضرورة إحداث تغيير ما. بعض رجال الطبقة الحاكمة يطلبون تغييرا شكليا صغيرا خوفا من تغيير أكبر وأكثر جذرية ضد مصالحهم. كثير من قوى المعارضة الشرعية تطلب تغييرا في الدستور وإصلاحا سياسيا، ولكن حبال ودها مع السلطة ورجالها تفضح عجزها وتواطؤها. وكثير من قوى المعارضة غير الشرعية والمغضوب عليها تسعى لبناء جبهات وحملات ضد الديكتاتورية والطوارئ والقمع.

الصامت الأكبر في هذه المعادلة – حتى اليوم – هو الجماهير الشعبية الفقيرة. لا توجد ديمقراطية في هذا البلد حتى نسمع أصواتهم. لا توجد نقابات أو جمعيات أو أحزاب أو اتحادات حتى ينظموا أنفسهم ويفرضوا قوتهم على الساحة. ديكتاتورية مبارك حطمت كل أشكال السياسة وكل أنواع التنظيمات. ومن ثم فلا أحد يعرف بالضبط ماذا يعتمل في صدور هؤلاء المقهورين المبدورين في كل المدن الصفيح والعشش والقرى من الإسكندرية حتى أسوان.

يمكننا بالطبع أن نخمن! هؤلاء يطلبون التغيير بلا شك. بين نار الأسعار، ونار التعذيب في الأقسام، ونار الفساد والإفساد في كل حال ومجال، يستشعر فقراء هذا البلد أن مصر ليس بلدهم، بل فقط بلد الأغنياء. والحقيقة أن ما يستشعره الفقراء صحيح. كل سياسة تنفذها الدولة، وكل قرار تتخذه، يرعى مصالح حفنة الأغنياء المتربعين على قمة المجتمع. رجال السلطة الديكتاتورية لم يعد لديهم أي حياء. مشروعهم أصبح واضحا كالشمس. فلا ورقة التوت المسماة بالبعد الاجتماعي أصبحت من ضمن عناصر الدعاية لحكومة نظيف الجديدة، ولا المخاوف من ردود الأفعال الشعبية أصبحت كابحا حقيقيا لرجال يدينون بدين الهمجية الليبرالية الجديدة.

حتى العالم الذي نعيش فيه لم يعد آمنا هادئا كما كان يبدو قبل أعوام قلائل. صدام حسين وُجد في حفرة، والاحتلال الأمريكي يعاني الأمرين من آلاف المسلحين المصممين على دجر الغزاة، وعرفات على فراش الموت، والانتفاضة تشتعل، وشارون لا يترك أي مجال للمتواطئين حتى يحتفظوا بماء الوجوه، وبوش (أو كيري ـ لا فرق!) يخطط للغزوة القادمة ويقوض توازنات شرق أوسطية استقرت على مدى عقود.

كيف إذن يمكن لمبارك أن يهنأ بحكمه. لا عجب إذن أن تحولت السلطة اليوم بكافة مؤسساتها إلى جهاز لحماية الحاكم والحفاظ على حكمه. فعندما تنحط الطبقة الحاكمة وتغرق في مستنقع جمودها وفسادها، وعندما يصبح النظام السياسي مجرد عبء على المجتمع، تتقلص أدوار الدولة من جهاز لحماية المصالح الجماعية للطبقة الحاكمة، إلى جهاز للنهب المباشر ولتحقيق المصالح الشخصية لطغمة حاكمة متعفنة.

التغيير في هذا الوضع أصبح ضرورة. الخلاف بين الطبقات والقوى – بالطبع فيما عدا حفنة الرجال الفاسدين في قلب السلطة – ليس في ضرورة التغيير، وإنما في نوعه واتجاهه والمصالح التي يخدمها. هناك من يريد تغيير لمصلحة المالكين المترفين، وهناك من يريد تغيير لمصلحة السواد الأعظم من فقراء هذا الشعب.

 

الاشتراكيون يقفون بلا تردد في صف الكادحين من أبناء هذا البلد. نحن لا نريد تغييرا من أي نوع. نحن نريد تغيير يحقق مصالح الفقراء والعمال. ورؤيتنا أن هذا التغيير لا طريق له إلا نضال الفقراء والعمال. لا وكالة لأحد عن أحد. لن يحقق مصالح الكادحين مستبد عادل، أو تنظيم من الشرفاء، أو سلطة ذات قلب كبير. نضال الكادحين وحده هو السبيل.

لهذا السبب بالتحديد نحن نرى في كل نضال، مهما صغر شأنه، عيدا لكل الفقراء. نضالات العمال في الأسابيع الأخيرة مصدر للأمل بالنسبة لنا. كل معركة ضد الظلم وضد القهر وضد الفقر تعتبر نقطة ضوء يمكنها إذا ما تعمقت وتوسعت أن تكون هي الباب للتغيير الشامل – التغيير الذي يقضي ليس فقط على الظلم ورجاله، وإنما على جذوره في تركيبة المجتمع وطريقة عمله.

الأمل في مستقبل أفضل لصناع الحياة في هذا البلد ليس وهما. هؤلاء يملكون قوة هائلة لم تختبر بعد. هؤلاء هم الأغلبية. وهم أيضا الذين يحركون ماكينة الاستغلال. فلو صمموا على إيقافها ستتوقف كل شرايين النظام وتتجمد أوصاله. غالبية هذا الشعب تطلب التغيير. وهم قادرون – في وقت يختارونه هم – على تحقيق ما يصبون إليه.