كشف حساب الانتفاضة الفلسطينية

( )

كشف حساب الانتفاضة الفلسطينية

مرت أربعة أعوام على اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية ولم يعد كافيا مجرد التهليل لعمليات المقاومة والبكاء على الشهداء الذين يتساقطون يوميا. فكما هو الحال في أى حرب علينا أن نقيم بموضوعية ما هى المكاسب التى حققتها المقاومة وما هى خسائرها؟ كيف تغير توازن القوى بين المقاومة والعدو المحتل. وما هى الاستراتيجيات والتكتيكات التى يجب إتباعها لتحقيق النصر؟

لنبدأ أولا بالمكاسب التى حققتها المقاومة. المكسب الأول هو بدون شك حجم الخسائر البشرية والمادية في صفوف العدو. فقد تجاوز عدد القتلى والجرحى الصهاينة 1100 قتيل و12 الف جريح وهو عدد يتجاوز الخسائر البشرية للعدو في كافة حروبه مع الجيوش العربية (طبقا لتقديرات صحيفة هآرتس الصهيونية). أما الخسائر المادية فتقدر بعشرات البلايين وتتركز في القطاع السياحى وفى الاستثمارات الأجنبية.

أما المكسب الثانى للمقاومة بعد أربعة أعوام من النضال الباسل هو إشعال موجة الغضب العارم في أوساط الجماهير العربية. فرغم أن وتيرة المظاهرات والتحركات الجماهيرية المتضامنة مع الانتفاضة تشهد تراجعا في الشهور الأخيرة، فالغضب يظل كامنا تحت السطح وقابلا للانفجار مجددا في أى لحظة.

أما المكسب الثالث فهو تحول الانتفاضة الفلسطينية إلى رمز أساسى من رموز الحركة العالمية المناهضة للعولمة والحرب. فقد أصبحت القضية الفلسطينية في القلب من الحركة العالمية تماما كما كانت القضية الفيتنامية في أواخر الستينات. لقد أصبحت الكوفية والعلم الفلسطينى رموزا لمقاومة القهر والظلم في مختلف أنحاء العالم. وهذا بالرغم من العمليات الاستشهادية التى يعتبرها الليبراليون العرب بميوعة مواقفهم المعهودة منفرة لما يسمونه "الرأي العام العالمى" (يتناسى هؤلاء ان المقاومة الفيتنامية والجزائرية كانتا تقومان بمئات العمليات التى لا تختلف في شيئ عما يقوم به الاستشهاديون الفلسطينيون).

 

ولكن علينا أيضا أن نقيم بدقة خسائر المقاومة، أو بمعنى اخر المكاسب التى حققها العدو. أول المكاسب التى حققها العدو بلا شك ما يحدث على الأرض وهو المضى قدما في تنفيذه لبناء الجدار العازل والذى سيبتلع عند الانتهاء منه نصف الضفة الغربية وسيحول المستوطنات الصهيونية الكبرى في الضفة والتى تضم اكثر من 300 ألف مستوطن إلى جزء لا يتجزأ من الدولة الصهونية، وسيحول ما تبقى من الضفة الغربية الى جزر معزولة ومحاصرة وغير قابلة للبقاء على المدى الطويل.

والمكسب الثانى للعدو هو التدمير واسع النطاق لمنازل الفلسطينيين ولبنياتهم التحتية وهو ما يمثل موجة تهجير جديدة لا تختلف في مضمونها عن موجات التهجير التى قام بها العدو في 1948، 1967.

أما المكسب الثالث فهو التصفية الجسدية لقادة الانتفاضة الفلسطينية. فالاغتيالات المستمرة للقادة الميدانيين والسياسيين للانتفاضة رغم أنه لم يوقف المقاومة، ولن يوقفها بلا شك، يضعف ويربك فصائل المقاومة. فالخبرة والقدرات القيادية لا يمكن استبدالها بين ليلة وضحاها.

أما المكسب الرابع الذى حققه العدو فلم يكن بمجهود العدو نفسه بل بالمجهود الذى بذلته الأنظمة العربية في قمع جماهيرها وعدم قدرة القوى السياسية المناهضة للصهيونية في البلدان العربية على تحويل الغضب الجماهيرى الكامن الى قوة سياسية فاعلة قادرة على الضغط المؤثر على الأنظمة العميلة، وفرض توازن قوى جديد يكسر عزلة المقاومة الفلسطينية ويعطيها العمق الذى تحتاجه لتحقيق النصر. ولعل الإضراب عن الطعام الذى قام به المعتقلون الفلسطينيون في السجون الصهيونية ورد الفعل الهزيل في أوساط الجماهير العربية خير دليل على مأزق العزلة الذى تعانى منه المقاومة الفلسطينية في اللحظة الحالية.

الخطوط العريضة لمعارك العام الخامس للانتفاضة أصبحت واضحة. خطة شارون لم تعد تتحمل التفسيرات المتباينة، تصفية المقاومة الفلسطينية بالقوة وضم الضفة الغربية لتشكيل "إسرائيل الأكبر"، إذا لم تكن "إسرائيل الكبرى" و التى يريدها بشكل مباشر اليمين الدينى وحركة المستوطنين في الدولة الصهونية. والانسحاب من غزة وتحويلها الى سجن كبير يشارك في إدارته النظام المصرى، وربما الأردنى، ودفن اى إمكانية حتى لقيام دويلة فلسطينية تابعة ومحاصرة ومعزولة السلاح.

أما المقاومة فاستراتيجيتها لا يمكن أن تعتمد فقط على استمرار عملياتها الفدائية الباسلة. فللعدو عمق استراتيجي يتمثل في الدعم والتأييد غير المشروط الذى تقدمه له الإمبريالية الأمريكية. أما العمق الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية فيتمثل في الجماهير العربية الذين وحدهم قادرين على تغيير التوازن لصالح المقاومة في الفترة القادمة. ولكن هذه الجماهير العربية تواجه أنظمة مستبدة وعميلة تعزلها بالقوة عن دعم وتضامن مؤثر للمقاومة الفلسطينية.

وهنا يأتى دور القوى المعادية للصهيونية والإمبريالية في البلدان العربية. فإذا كانت السنوات الأربع الماضية قد

أثبتت شيئا فهو أن النضال من اجل التضامن مع الانتفاضة لا يمكن أن ينفصل عن النضال ضد القهر والاستبداد والاستغلال الذين يواجههم الجماهير العربية في مصر وباقى الدول العربية. فكل انتصار للجماهير العربية ضد أنظمتها المستبدة هو خطوة في كسر الحاجز الذى تفرضه هذه الأنظمة بينها وبين المقاومة الفلسطينية، وكل انتصار للمقاومة الفلسطينية يلهم الجماهير العربية في معاركها القادمة ضد الأنظمة.