أزمة دارفور والأطماع الأمبريالية في السودان

( )

أزمة دارفور والأطماع الأمبريالية في السودان

برزت مشكلة إقليم دارفور خلال الأشهر الأخيرة بصفتها أحدى المشكلات التي تؤرق المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة، وهو ما انعكس خلال قرارين من مجلس الأمن في يوليو وسبتمبر الماضيين، تضمن القرار الأخير تهديدا بفرض عقوبات على حكومة السودان إذا لم توقف تدهور الأوضاع الأمنية في دارفور، وتعاقب المسئولين عن العمليات التي يتعرض لها السكان الأفارقة في الإقليم. ورغم أنه لا يمكن إنكار ما يتعرض له سكان دارفور من عمليات قتل وتشريد واغتصاب على يد الميليشيات العربية الموالية لحكومة الخرطوم والمعروفة بميليشيات الجنجويد، إلا أن طرح المشكلة باعتبارها مجرد صراع عرقي بين العرب والأفارقة يتجاهل الطبيعة السكانية للإقليم ويغطي على الأبعاد الحقيقية للأزمة التي خلقتها الطبيعة الرجعية والمعادية للجماهير التي ميزت نظم الحكم السودانية بلا استثناء، كما أن هذا الطرح يغطي على المصالح التي تقف وراء الاهتمام الدولي المفاجئ بالإقليم.

فمن الناحية العرقية، تصعب التفرقة بين السكان العرب والأفارقة في دارفور. ذلك أن سكان الإقليم الأصليين من ذوي الأصول الأفريقية، من قبائل الفور والزغاوة والمساليت الذين يعملون بالزراعة، أقاموا صلات مصاهرة على مدى قرون مع الرعاة ذوى الأصول العربية الذين جاءوا من الشمال، وهو ما أنتج تشابها كبيرا من الناحية الفيزيقية، واللغوية، إضافة إلى أن جميع سكان الإقليم من المسلمين. غير أن ذلك لا ينفي أن الأقليم شهد نزاعات متكررة خلال قرون من التفاعل بين الجماعتين، وذلك من أجل السيطرة على مصادر المياه والأراضي الزراعية. وإذا كان من المتعارف عليه أن تتم تسوية المشكلات عن طريق المساومات، إلا إنه في فترات الجفاف تصبح هذه النزاعات أكثر حدة، وهو ما حدث خلال موجة الجفاف التي اجتاحت الإقليم في منتصف الثمانينيات، والتي أدت إلى نشوب العديد من النزاعات المسلحة والغارات المتبادلة بين العرب والأفارقة للسيطرة على مصادر المياه. وتبدو حالة السودان هنا متشابهة مع ما يحدث في العديد من الدول الفقيرة ذات التعددية القومية أو العرقية، حيث تكون فترات الأزمات مصحوبة بتفاقم هذا النوع من الصراع الذي يبزر كبديل عن الصراع بين الفقراء والمستغَلين على اختلاف  هوياتهم الثقافية من جهة وبين أصحاب المصلحة في الإبقاء على أوضاع الفقر والاستغلال من جهة أخرى. ولعل ما فاقم مشكلة دارفور أن فترة الجفاف تزامنت مع لجوء الحكومة السودانية إلى تسليح قبائل الرعاة لمواجهة حركة تحرير شعب السودان بقيادة جون جارانج. وبحلول نهاية التسعينيات أصبح غرب السودان بؤرة أخرى للنزاع مع الحكومة المركزية التي أطلقت يد الميليشيات الموالية لها ضد سكان الإقليم.

وفي حقيقة الأمر فأن مشكلة دارفورمثلها مثل مشكلات جنوب وشرق ووسط السودان، ترجع في أساسها إلى عنصرية ورجعية الأنظمة التي تناوبت على حكم السودان منذ استقلاله منذ نحو خمسة عقود. وهي لم تخرج عن نوعين من النظم، هي الديكتاتوريات العسكرية الممثلة في أنظمة عبود ونميري والبشير، والنخب الطائفية ممثلة في حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي، اللذان يمثلان طائفتي الأنصار والختمية على التوالي. فمنذ أن استقل السودان، ظل النموذج السائد هو خضوعه لفترة من الحكم النيابي بزعامة أحد الحزبين الكبيرين يعقبها حكم العسكريين عن طريق الانقلاب ثم فترة برلمانية اخرى وهكذا. وكان من السياسات التي اتفقت عليها النخب العسكرية والطائفية في السودان تعزيز النزعات العنصرية واضطهاد غير العرب وغير المسلمين، كوسيلة للتغطية على استغلال هذه النخب للجماهير وفشلها في أن تقدم لهم نموذجا للتنمية يقوم على العدالة والاستفادة من موارد السودان الهائلة في رفع مستوى معيشة المواطنين. ومن ثم فقد تفاقمت مشكلة الجنوب التي غرس بذورها الاستعمار البريطاني، وبرزت مشكلات أخرى ليست أقل حدة في منطقة دارفور في الغرب وقبائل النوبا في كردفان والبجا في شرق السودان. وفي كل هذه الحالات كان القاسم المشترك هوالحرمان من النصيب العادل من عوائد التنمية وعدم احترام الخصوصيات الثقافية لهذه الأقاليم. 

وقد يبدو الاهتمام الدولي بقضية دارفور مستغربا إذا ما قورن بالصمت الذي امتد لقرابة عقدين من الزمن هي عمر الحرب في جنوب السودان. فقد أسفرت هذه الحرب عن مصرع مليوني شخص وتشريد أربعة ملايين آخرين منذ عام 1983، حينما كان السودان آنذاك حليفا للولايات المتحدة في الحرب الباردة. ورغم تدهور العلاقات بين البلدين خلال التسعينيات، إلى الحد الذي وُضع فيه السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب، وتم قصف مصنع للأدوية في عام 1998ــ في عهد بيل كلينتون ــ بدعوى انتاجه أسلحة كيماوية، فقد استمرت شركات النفط الأمريكية في العمل في السودان، وظلت تقدم التسهيلات للحكومة السودانية لضرب سكان الجنوب، دون أن يكون ذلك مصدرا لقلق الإدارة الأمريكية  . 

 لكن أهمية السودان برزت بسبب مع تصاعد الصراع الإمبريالي على مصادر النفط في الأعوام الأخيرة. فعندما تم تطوير استخدام الثروات البترولية في السودان عبر إقامة أنبوب للنفط بطول 1600 ميل لينقل نفط جنوب السودان إلى ميناء بور سودان، أصبحت هناك حاجة ملحة لتحقيق الاستقرار في الجنوب عبر وضع  نهاية للحرب الأهلية. ومن ثم فقد قامت الحكومة الأمريكية بالضغط على طرفي النزاع من أجل التوقيع عن بروتوكولات مشاكوش للسلام. وكان من الطبيعي أن يغري التوصل إلى تسوية مع الجنوب تتضمن حكم ذاتي ونصيب من السلطة والثروة، باقي أقاليم السودان، ومنها الغرب بالمطالبة بتسوية مثيلة. ومن هنا جاء تصعيد الحركتين المسلحتين في الغرب ـ حركة تحرير السودان وحركة العدالة والمساواة ـ لهجماتهما على القوات الحكومية في غرب السودان، وهو ما ردت عليه الحكومة السودانية بالقصف المكثف للإقليم وتسليح ميليشياتها لقمع التمرد هناك وكانت نتيجة هذا الوضع أن لقي ما يزيد عن عشرة آلاف شخص مصرعهم وشرد مليون ونصف المليون خلال الأشهر الأخيرة.

غير أن استقرار الأوضاع في السودان أصبح أمرا ملحا بالنسبة للولايات المتحدة. ذلك أن الاضطرابات في الغرب تعوق استقرار التسوية مع جنوب السودان مما يقف في طريق استغلال نفط السودان ـ الذي ينتج حاليا 250 ألف برميل يوميا. في الوقت نفسه، اكتُشفت مؤخرا ثروات بترولية في أقليم دارفور وفي تشاد الواقعة  على الحدود  الغربية للسودان. كماأن النزاع في غرب السودان من شأنه أن يثير القلاقل في مناطق أخرى ــ وهو ما حدث بالفعل في منطقة قبائل البجا في الشرق ــ ويؤدي إلى اهتزار الاستقرار في البلدان الواقعة قبالة السواحل السعودية على البحر الاحمر، في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى تعزيز الحكومات المتحالفة معها في تلك المنطقة في إطار ما تسميه بالحرب على الإرهاب.

ومن ثم، فقد كان ضروريا بالنسبة للمجتمع الدولي أن يتدخل لوقف النزاع في دارفور. لذلك فإن تصوير الأزمة في دارفور باعتبارها مجرد نزاع بين العرب والأفارقة يتجاهل أن من مصلحة كل من العرب والأفارقة في الإقليم الحصول على نصيب عادل في ثرواته، كما أنه يتجاهل أن المسئولية الأساسية عن هذا الوضع تتحملها نظم الحكم السودانية التي استكملت المسيرة التي بدأها الاستعمار البريطاني لزرع بذور الفرقة بين الجماعات العرقية، كما يتحملها المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة التي تعاونت مع حكومة السودان وسهلت لها التنكيل بسكان الجنوب والأقاليم الأخرى.