
تصوير محمد معروف
فلافيا دانجيلي: شعارنا هو سحب القوات الإيطالية من العراق
فلافيا دانجيلي: شعارنا للفترة القادمة هو سحب القوات الإيطالية من العراق
شهدت إيطاليا في السنوات الأخيرة حركة اجتماعية وسياسية قوية، من جنوة سنة 2001 إلى مظاهرات مناهضة الحرب الضخمة في 2003. أجرت دينا حشمت حوارا لـ"أوراق اشتراكية" مع فلافيا دانجيلي، وهي عضو قيادة حزب إعادة التأسيس الشيوعي وعضو منتدى جنوة الاجتماعي، حول هذه التطورات.
-شكلت مظاهرات جنوة لسنة 2001 تجذيرا لحركة مناهضة العولمة في إيطاليا. هل يمكنك أن تصفي لنا تحضير هذا الحدث، ونتائجه على الحركة وعلى الساحة السياسية الإيطالية؟
- سنة 2001 كانت كل اجتماعات المؤسسات مثل البنك الدولي أو الثمانية الكبار تلاحقها مظاهرات كبيرة. وجنوة كانت أول مظاهرة مهمة بعد سياتل في أوروبا، في هذه القارة التي شهدت العديد من عمليات التعبئة. وبالنسبة لإيطاليا وقعت أحداث جنوة بعد مرور شهرعلى انتصار برلسكوني في الانتخابات. إن مظاهرات جنوة تجاوزت كل توقعاتنا. كنا قد أسسنا لتونا المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو أليجري في البرازيل سنة 2001، والذي شاركت فيه كل الحركات، منها لجنة إيطالية للتحضير لـ "منتدى جنوة الاجتماعي". وكانت هذه اللجنة تجمع منظمات شديدة التنوع، من منظمات غير حكومية معتدلة، أو حركات السلام، إلى مجموعات الشباب الراديكاليين، الذين ينشطون في إطار ما يعرف بالمراكز الاجتماعية، مرورا بنقابة عمال الحديد والصلب الكبيرة، وكل النقابات اليسارية مثل "اللجان القاعدية" cobasوحزب إعادة التأسيس الشيوعي كحزب. وعملنا لمدة شهور متواصلة داخل هذه اللجنة لتحضير جنوة. وكانت الفكرة هي المزج بين المظاهرات الاحتجاجية والعديد من المؤتمرات واللجان النقاشية في إطار قمة بديلة، لأننا بدأنا أن نطرح بعد بورتو أليجري أهمية فتح المناقشة حول البدائل إلى جانب المظاهرات الاحتجاجية. ولكننا لم نتوقع أن تسير الأحداث بهذا الشكل. فذهلنا أولا أمام عدد الناس الذين توافدوا لمدة أسبوع، وخاصة الشباب ومنهم الكثير من أوروبا كلها. ولكننا ذهلنا أيضا بسبب رد فعل الدولة والقمع العنيف. فقدت اندلعت المظاهرات على مدى ثلاثة أيام وافتتحت يوم الخميس بمسيرة للمهاجرين ضد العنصرية، تميزت بجو هادئ واحتفالي، ولكن العدد الذي بلغ 40 ألف كان ضخما بالنسبة ليوم خميس وهو ليس يوم إجازة في إيطاليا. بدأ العنف البوليسي يوم الجمعة، لكن الشيء الإيجابي هو أن منتدى جنوة الاجتماعي، بالرغم من كل تنوعاته نجح في الحفاظ على وحدته، وفي إدارة يوم الجمعة هذا. كان المنتدى قد أعلن أنه سيندد بأي فعل عنيف، ولكنه يريد أن يدخل في المنطقة الحمراء المحظورة (التي كانت تقع في وسط المدينة والتي كان قد تم إخلاؤها التام من سكانها)، وأنه سيبذل كل ما في وسعه للدخول فيها. فسيعتدي على الحواجز، ولكن ليس على واجهات العرض للمحلات ولا على الشرطة. والشيء الإيجابي أننا كنا قد وقعنا كلنا على هذا الميثاق، من المنظمات الكاثوليكية السلمية للغاية، إلى شباب الفوضويين. ولكن المدينة كانت محاصرة ولم تسمح الشرطة بانطلاق المظاهرة أصلا. نحن كنا مع شباب حزب إعادة التأسيس الشيوعي في مظاهرة التوتي بيانكي Tutte Bianceالتي كانت ستعتدي على المنطقة الحمراء. ولكن الشرطة اعتدت علينا فور خروجنا من معسكر البيات، على بعد كيلومترات من المنطقة الحمراء. كان هذا مقصودا، وقد تبين بعد ذلك من نتيجة التحقيقات التي أجرتها لجنة برلمانية، أن الشرطة تركت مثيري الشغب أو مجموعة "البلاك بلوك" تتحرك كما تشاء. ولكن الذي فعلته الشرطة هو أنها أطلقت الرصاص الحي على المظاهرات وقتلت كارلو جيولياني. وكان هذا مقصودا لإثارة الرعب في وسط الحركة، وشكل ذلك فعلا صدمة للكل، فلم يقتل متظاهر منذ 1974 في إيطاليا. وأصبحنا قلقين من أن يؤدي ذلك إلى امتناع الناس عن التظاهر يوم السبت، خاصة وأن حزب الاشتراكية الديموقراطية وهو حزب اليسار المعتدل واتحاد عمال إيطاليا كانوا قد أعلنوا يوم الجمعة مساء عن عدم مشاركتهم في مظاهرة السبت بسبب "أعمال الشغب". ولكن يوم السبت حضر حوالي 300 ألف شخص، وأتت العديد من الأسر لمجرد التعبير عن رفضها لما رأته على شاشات التلفزيون من عنف بوليسي. كانت مظاهرة ضخمة، ولم نكن نتوقعها، ولكن البوليس اعتدى علينا من جديد واعتقل الآلاف، والعديد منهم سجنوا أسبوعا كاملا في معسكرات الجيش، ولم نكن نعلم مكان اعتقالهم، وحدثت حالات تعذيب عديدة. لكن كل هذا القمع أنتج في النهاية أسبوعا من عمليات التعبئة بعد 21 يوليو في كل القرى والمدن حول شعار الإفراج عن المعتقلين. فلم ينجح القمع في وقف الحركة، بل بالعكس، أدى إلى ولادة منتديات اجتماعية محلية. وفي سبتمبر بقيت هذه اللجان موجودة وبدأت في فتح مناقشة حول كيفية التنسيق فيما بينها. ونتيجة هذا كانت إقامة آليات تنسيق بين قوى مختلفة ولكن أيضا مع أفراد غير منظمين، فحدثت موجة حقيقية من التنظيم الذاتي على مستوى قاعدي.
ثم حدثت صدمة 11 سبتمبر. ولكن على الفور فتحت العديد من هذه المنتديات المناقشة حول كيفية الرد وعدم الوقوع في الفخ بين "الإرهاب" والحرب، لأنه كان من الواضح أن الأمريكيين كانوا بصدد فعل شيء ما بعد 11 سبتمبر. فقررنا أنه لا بد من النزول إلى الشارع، ودعونا لمظاهرة بمناسبة انعقاد اجتماع لمنظمة الأغذية والزراعة ضد الفقر ولكن بالأساس ضد الحرب. وكنا نريد أن نفرض الفكرة بأن البديل للإرهاب هو الحركة وليس الحرب. كانت مظاهرة ضخمة فنجحنا في أخذ رد فعل أمام ظرف كان يمكن أن يؤثر سلبيا على الحركة. ثم في الفترة حتى صيف 2002 نظمنا العديد من المظاهرات ضد الحرب في أفغانستان. ومن ناحية أخرى بدأت المنتديات الاجتماعية تشعر أنها تحتاج إلى مناقشة الحركةK
ومن هنا جاءت فكرة الجمعية العمومية للمنتديات الاجتماعية المحلية التي انعقدت في 2001 لمناقشة عدة قضايا مثل من نحن، ما الذي سنقوم به معا، وكيفية تطوير هذه الحركات؟ لم ننجح دائما فهناك تناقض هيكلي في كل هذه الحركات، ولكن نجحنا في بعض القطاعات مثل المهاجرين الذين أسسوا منتدى اجتماعيا للمهاجرين على مستوى وطني، والذي ما زال مستمرا حتى الآن واستطاع أن يكشف عن نقاط الضعف التي كانت تميز منظمات المهاجرين. وتحول منتدى جنوة الاجتماعي إلى المنتدى الاجتماعي الإيطالي الذي ما زال ينظم العديد من الأحداث، مثل المظاهرات ضد الحرب أو المشاركة في منتدى بورتو أليجري.-إيطاليا من البلدان التي شهدت حركة مناهضة للحرب قوية جدا. فكان هناك 3 مليون متظاهر يوم 15 فبراير 2003 في روما. كيف بنت هذه الحركة نفسها؟ وهل استخدمت وسائل أخرى غير المظاهرات؟
- لم تولد الحركة في إيطاليا حول قضية الحرب. فلم تكن الحرب نقطة مهمة في جنوة، حتى إذا كانت حركات مناهضة الحرب لها وجود مهم تاريخيا في إيطاليا، مثلا أثناء الحرب في جمهورية يوغوسلافيا سابقا. وأثناء الحرب في أفغانستان كانت هناك عمليات تعبئة مستمرة ضد الحرب، وإن لم تنجح في منع المشاركة الإيطالية. ورأينا لأول مرة شرخ واضح بين السكان الرافضين تماما للحرب من ناحية، والأحزاب السياسية التي كانت تؤيدها – باستثناء حزب إعادة التأسيس الشيوعي – من ناحية أخرى. ولكن الحركة كانت قوية جدا، وبدأت الحرب تتخذ مكانا مركزيا في إيطاليا لدرجة أنه أثناء التحضير للمنتدى الاجتماعي الأوروبي الأول في فلورنسا اضطرت الحركات الإيطالية إلى أن تفرض مركزية فكرة الحرب، لأن العديد من الحركات، ومنها الفرنسية، كانت ترى في الحرب إحدى الإشكاليات ليس إلا. كانت المظاهرة الختامية موجهة ضد الحرب، وكانت ضخمة فجمعت حوالي مليون متظاهر حتى في ظل الحملة الإعلامية الحكومية التي كانت تحذر "من المشاغبين الذين سوف يدمرون المدينة" وإن لم تجر إدارة الأمن العام بنفس الطريقة التي أديرت بها في جنوة. بالنسبة لإيطاليا كانت هذه سابقة: أن يتظاهر هذا العدد من الناس قبل بداية الحرب. ويوم بداية الحرب لم يكن لدينا موعد مسبق ولكننا كنا اتفقنا أنه مع أول قنبلة سننزل كلنا إلى الشوارع. وهذا هو ما حدث. كان كل شيء مغلق لأنه كانت هناك إضرابات عفوية. وهناك مظهر آخر من مظاهر مناهضة الحرب وهو أن حركة كاثوليكية صغيرة أطلقت فكرة وضع أعلام بألوان قوس القزح أمام النوافذ للتعبير عن رفض الحرب، ووافقنا عليها في اجتماعات مناهضة الحرب ولكن بدون أن نعطي لها أهمية. ولكن بعد أسبوع كانت الجرائد قد أحصت حوالي 8 مليون علم على النوافذ. وهناك أفعال مختلفة مثل تلك التي قام بها العديد من الشباب، خاصة شباب حزب إعادة التأسيس وشباب المراكز الاجتماعية الذين أوقفوا القطارات المحملة بالسلاح، حيث كان الأمريكيون قد بدأوا في نقل السلاح من قواعد الناتو العسكرية إلى الموانئ. وتلقى المسافرون هذه المبادرات بشكل إيجابي حتى الذين كان قطارهم متوقف بسبب أفعال النشطاء، وحتى في ظل الحملة الإعلامية الحكومية التي كانت تصف هؤلاء الشباب "باليساريين الطفوليين الذين يحاولون منع الناس من الذهاب إلى العمل". وقد رفض عمال السكة الحديد أيضا تمرير السلاح. فكانت هناك معارضة جماهيرية حقيقية.
- ولكن لم تنجح الحركة أن تمنع المشاركة الإيطالية.
- نعم، وكانت الحركة إلى حد ما واقعة في مأزق. من ناحية كانت المشكلة أن الجنود الإيطاليين الموجودين في العراق هم من المحترفين الذين ينتمون إلى القوات الخاصة. فهم ليسوا مثل الجنود الأمريكيين الذين هم شباب فقراء. وبالتالي يصبح من الصعب تشكيل حركة حقيقية للرفض في قلب الجيش. ومن ناحية أخرى فإن الحركة قامت على أساس رفض أخلاقي، ولكن بدون قدرة حقيقية على الفهم بأنه إذا أردنا أن ننتصر فلا بد أن نواجه حكومتنا وأن نفرض انسحاب القوات. ولم تكن هناك قدرة على فهم مصالح الإمبريالية الإيطالية في العراق ولا تفكير حقيقي حول الأسباب التي تفسر وجود القوات الإيطالية في العراق باستثناء القول بأن برلسكوني هو خادم بوش. هذا صحيح إلى حد ما، ولكن الأهم هو أن القوات الإيطالية موجودة هناك للدفاع عن المصالح الاقتصادية الإيطالية. إنهم موجودون في الناصرية حيث تعمل الشركة الإيطالية لاستخراج النفط. فالموضوع واضح تماما، كأنه كتاب لينين مطبق بالحرف. إنها البرجوازية الإيطالية التي تفرض لعبتها. ولم تقدر الحركة بالتالي أن تفهم دعم اليسار المعتدل للحرب. هذا فضلا عن النظريات التي برزت آنذاك وزادت من حالة الالتباس حول ما هو الهدف السياسي الأهم ، مثل كتاب توني نيجري، "الإمبراطورية" الذي وجد صدى كبيرا في الحركة، خاصة في قطاعات الشباب. ويدافع توني نيجري عن فكرة أنه لم يعد هناك إمبريالية بل "إمبراطورية"، وهي التي تحكم العالم حسب مصالح الشركات المتعدية الجنسيات. بالنسبة للناس هذه الإمبراطورية هي الولايات المتحدة، وكانت هذه هي حرب الأمريكان. ولكن هذه النظرية لا تسمح بتفسير المشاركة الإيطالية والأسبانية في الحرب، أو عدم المشاركة الفرنسية مثلا. رأيي أن الحركة عجزت أن تفهم الأهداف ولم تنجح في فرض نفسها سياسيا لإجبار القوات على الانسحاب، مما ولد العديد من الإحباطات.
الآن الوضع في العراق يدل يوميا على غباء وجود القوات هناك. إن الجنود الإيطاليين بدأوا يموتون، وتم اغتيال الصحفيين، والوضع في العراق أسوأ مما كان عليه قبل الحرب. والتهديد اليومي لحياة الجنود الإيطاليين حقيقي فالناس خائفون. فما البديل؟
ففرضت هكذا من خلال اليسار المعتدل مناقشة غاية في الخطورة جوهرها كالتالي: نحن كنا ضد الحرب، ولكن الآن هناك مشكلة فلا يمكننا الانسحاب، إذن لا بد من التواجد في إطار الأمم المتحدة ومع البلاد العربية، على طريقة كلينتون. ولكن تلك في جوهرها هي نفس السياسة. ويصعب على الحركة فهم أن هذا الخطاب ليس صالحا لأنه لا يتحدث عن انسحاب القوات، ولأنه أيضا الوجه الآخر للسياسة الإمبريالية في الشرق الأوسط. عندما كانت تسقط القنابل كان من السهل القول بأننا ضد ذلك. ولكن الآن هناك العديد من الأسئلة المطروحة: ما هي نوع العلاقات التي يمكننا إقامتها مع الشعوب العربية؟ ما هي المجموعات النشطة هناك؟ كيف يمكن دعم المقاومة؟ هل علينا أن نفتح مناقشة مع تيار مقتدى الصدر مثلا؟ فالوضع أكثر تعقيدا الآن. لا زال الرفض موجودا ولكن هناك صعوبة في التعبئة. والذي نحاول أن نفعله الآن هو: لا بد من التركيز على انسحاب القوات الإيطالية. واليسار المعتدل عليه أن يتخذ موقفا واضحا في هذا الشأن، وأن يصوت من أجل انسحاب القوات في البرلمان، وإلا سنطرده من الحركة. فحزب الاشتراكية الديموقراطية يقول "نحن ضد الحرب" ويشترك في المظاهرات ولكن في البرلمان لا يصوتون ضد إرسال القوات. يقولون"نحن مع إرسال قوات من أجل السلام". نحن، من حزب إعادة التأسيس، نقول: "قبل الدخول في عملية السلام، لا بد من انسحاب قوات الاحتلال". وبدأنا في تحضير مظاهرة، أو حدث آخر، في شهر سبتمبر حول شعار انسحاب القوات، لنحاول الوصول إلى نتيجة أو على الأقل لتوضيح المناقشة الجارية.
- ما هي أهمية حزب إعادة التأسيس الشيوعي في الساحة السياسية حاليا ومكانته في الحركة المناهضة للحرب؟ وما هو مستقبل هذا الحزب الذي حاز على 6% من الأصوات في الانتخابات الأوروبية الماضية؟
- تأسس هذا الحزب سنة 1991 نتيجة انشقاق عن الحزب الشيوعي الذي كان قد قرر التخلي عن الإسم والتراث الشيوعي. فتشكلت أولا "الحركة من أجل إعادة الـتأسيس الشيوعي" التي جمعت كل تيارات اليسار الراديكالي. وصمد الحزب في التسعينات، مقاوما موجة التجديد المحافظة التي قام بها اليسار الشيوعي بعد سقوط حائط برلين. وعرف كيف ينخرط بشكل تام في الحركة ويفهم أهميتها منذ لحظة بدايتها في سياتل. وقد لعب "حزب إعادة التأسيس الشيوعي" دورا مهما في التحضير لبورتو أليجري ولجنوة. وكان الحزب السياسي الوحيد الموجود في اللجان التحضيرية لجنوة وكان هناك 12 متحدثا رسميا عن الحركة، أحدهم من حزب إعادة التأسيس. وكان أنجولاتو، المتحدث عن الحركة كلها أيام جنوة، قريبا جدا من حزب إعادة التأسيس وأصبح الآن نائبا في البرلمان الأوروبي باسم الحزب. والشيء الإيجابي أن جيل إعادة التأسيس القديم، أي "الشيوعيون القدماء" أتوا لجنوة وعادوا متفائلين بالجيل الجديد الذي رأوه وقد ظهر في حزب إعادة التأسيس كالحزب الأكثر تماسكا في علاقته بالحركة. وكان وجود الحزب في الاجتماعات التحضيرية طبيعيا، ولم يثر أية مشاكل بالنسبة للحركات الاجتماعية، مثلما يحدث في بلاد أخرى، وذلك بسبب الوضع الخاص جدا لإيطاليا.
وخلقت كل هذه السنوات من الحرب جوا اجتماعيا متمردا في مواجهة سياسات اليمين. كما ظهر في العامين الأخيرين، المطالبة بمخرج سياسي للأزمةالاجتماعية. لقد أصبحنا أكثر قوة في معارضة الحرب، وفي الإضراب العام على موضوع المعاشات وقانون إصلاح المدرسة، وأصبح هناك مطلب ملح بالتغيير السياسي. فالناس تتسائل: كيف سنستخدم هذه الحركة لكي نغير السياسات القائمة وننتصر؟ وهناك حاليا مناقشة داخل حزب إعادة التأسيس وهي: كيف نعطي مخرجا سياسيا لقوة هذه الحركة؟ وتعتقد الأغلبية أن الحركة قوية بما فيه الكفاية كي تسمح بالرهان على إمكانية بناء بديل، حتى على مستوى حكومي، أي لعب كارت الحركة لفرض اتفاق سياسي يساري المضمون على اليسار المعتدل، أو تحالف غصن الزيتون. فهناك فكرة أن ثمة إمكانية للاتفاق حول برنامج حكومي لتكوين حكومة بديلة لبرلسكوني. ولكني، مع عدد آخر من الرفاق داخل الحزب، أرى أن هناك حركة قوية، هذا صحيح، ولكنها لا تزال حركة ضعيفة وتحتاج إلى كل الجهود لبناءها من أجل ذاتها. ونرفض الرهان على مستوى البديل السياسي الفوري. لأن الحركة لا زالت تحتاج إلى أن تنتصر على مستوى علاقات القوة الاجتماعية. فإن ضعف الحركة الاجتماعية على مستوى الصرع الطبقي يترك لليسار المعتدل كل المساحة لتطبيق سياسات البرجوازية. وما بيقى غير واضح في مناقشة حزب إعادة التأسيس هو الفكرة التالية: " يمكننا أن نفرض سياسة بديلة على اليسار المعتدل"، كما لو أنها مسألة إرادة. ولكن المشكلة هي أن حزب الاشتراكية الديموقراطية يمثل مصالح البرجوازية وإن كان بطريقة أكثر تقدمية من اليمين. فقد طبقوا نفس السياسات الاجتماعية ونفس السياسة الخارجية ودخلوا الحرب إلى جانب كلينتون، ليس إلى جانب بوش، ولكن الحرب هي الحرب. أعتقد أنه لا بد من الرهان على قدرة الحركة على الانتصار على مستوى اجتماعي، وفرض مناقشة توضيحية في الأوساط اليسارية تجعل التوصل إلى بديل ضرورة ملحة، ولكن بديل استراتيجي على مستوى طبيعة النظام نفسه، وتوضح إمكانية تطوير مرحلة انتقالية لها مصداقيتها.

