
تصوير محمد معروف
نهب الفلاحين في مصر المحروسة
نهب الفلاحين في مصر المحروسة
كان الفلاحون ولازالوا من أكثر الطبقات التي خضعت للاستغلال والقهر في مصر. تعرض فاطمة رمضان لتاريخ استغلال الفلاحين منذ بداية الدولة الحديثة في عهد محمد على وحتى سياسة التحرير الزراعي في تسعينات القرن الماضي.
اتفقت كل النظم الحاكمة في مصر رغم اختلاف توجهاتها على شيء واحد فقط: امتصاص دم الفقراء في هذا المجتمع. وكان الفلاحون دائما على رأس الفئات المستهدفة.
مرحلة بناء الدولة الحديثة
منذ بداية بناء الدولة الحديثة في عهد محمد على، كان الاعتماد الأساسي على امتصاص الفائض، ليس فقط في صورة المحاصيل الزراعية، بل في شكل الضرائب التي اضطر معها صغار الملاك لترك أراضيهم والهرب للعمل لدى الإقطاعيين الكبار للتخلص من عبء هذه الضرائب. وقد كان هناك شكل آخر للاستغلال تمثل في حاجة هذه الدولة لإنشاء بنية أساسية عبر حفر الترع والمصارف وتمهيد الطرق، خاصةً في المناطق التي تضم أراضي لكبار الملاك وكبار رجال الدولة. وكان على رأس هذه المشروعات قناة السويس. وقد دفع الفلاحون حياتهم ثمنا لهذه المشاريع، حيث لم تلتزم الدولة بأدنى الضمانات التي يقدمها الرأسمالي للعمال، وهي توفير الحد الأدنى من الاحتياجات التي يستطيع معها هؤلاء الفلاحون استكمال الحياة والعمل. فقد كان الفلاحون يعتمدون في طعامهم على ما يرسله لهم أهاليهم عبر النهر من خبز فقط! وسوف نتحدث عن هذين الشكلين من أشكال الاستغلال.
1- السخرة واستغلال الفلاحين في المشروعات العامة
تمثل السخرة عنصراً من أبرز عناصر المأساة التي عاشها الفلاحون في القرن التاسع عشر والتي تسببت إلى جانب الضرائب في هجرة الفلاحين لأراضيهم. وعلى الرغم من أن السخرة هي إحدى ملامح العلاقات الإقطاعية في مصر، إلا أنها استمرت طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر لإقامة البنية الأساسية للدولة الحديثة وكذلك للقيام بعمليات تطهير الترع. فعلى سبيل المثال، في عام 1847 كان عدد الفلاحين المطلوبين لحفر ثلاث ترع في الدلتا يبلغ 182077 شخصاً تم توزيعهم على مديريات الوجه البحري لأن أهالي الصعيد كان قد تم تجنيدهم في مشروعات مماثلة في الوجه القبلي. وفي بداية حكم سعيد عام 1844 كان ما يقرب من ألف فلاح من قرية المنصورية بمديرية الجيزة يعملون بصفة مستمرة في المشروعات العامة بعيداً عن قريتهم، من بين مجموع سكان القرية البالغ 2653 نسمة.
وفى فترة حفر قناة السويس كان مخصصا ما بين 25ألف-30 ألف فلاح، ومثل هذا العدد في الطريق إلى منطقة الحفر. هذا بجانب السخرة في المشروعات العامة الأخرى، وقد بلغ عدد من تم تسخيرهم في تطهير الترع في عهد سعيد 300 ألف فلاح. كما نفذ عدد آخر من المشروعات عن طريق السخرة مما أدى إلى نقص العمالة في الريف بين 1856-1863.
وقد تحمل فقراء الفلاحين العمل بالسخرة وحدهم، حيث كان يعفى من السخرة من يعملون لدى كبار الملاك وكذلك الأجانب، وكانوا لا يدفعون مقابل نقدي للإعفاء من السخرة، مما أغرى الكثيرين من أصحاب الملكيات الصغيرة إلى تركها واللجوء للعمل في أبعديات كبار الملاك. وقد كان يؤخذ للسخرة كل الذكور فيما عدا الأطفال أقل من ثماني سنوات والشيوخ أكبر من سبعين عاماً. وعدل هذا بعد ذلك بالأمر العالي الصادر في 25 يناير 1881، فأصبح يذهب للسخرة الذكور ما بين 15-50 سنة، وأعفيت منها الكثير من الفئات مثل العلماء وطلبة العلم وأرباب الحرف وصائدي الأسماك والمراكبية. معنى ذلك أن الفلاحين كانوا تقريباً هم الفئة التي ينطبق عليها السخرة.
وفى الصورة التي رسمها عبد لله النديم في اللطائف سنة 1882، كتب يقول "رأيت ألوفا من الأهالي جمعوا من كل المديريات لحفر رياح الخطاطبة كي يسقوا مزارع الخديوي وكان البرنس حسين باشاً مفتشاً للوجه البحري، مر القواص على جواده معلناً أن البرنس سيفاجئهم للتفتيش فهرع الملاحظون إلى قطع الأغصان الغليظة من الأشجار ونزلوا بها على جسوم الفعلة العارية فلا تسمع إلا الأنات والصراخ والنحيب ولا يظهرون من هذه الأجسام الملطخة بالطين سوى مواضع السياط، وكلما مر البرنس على مدير ورأى الأنفار تقع على الصخور وتغرق في الوحل وتضرب على الوجوه قال للمدير (أفرين برافو برافو) فما انتهت الزيارة إلا وعدد الموتى قد بلغ الثلاثين بين مضروب بالسياط وغريق في الوحل".
2- الضرائب
ارتفعت الضرائب في الفترة منذ نهاية حكم محمد على حتى عهد إسماعيل بدرجة كبيرة. فعلى سبيل المثال، بمقتضى القرار الأول الصادر في عهد سعيد، ارتفعت الضرائب على الأراضي المتوسطة والضعيفة إلى ما يوازى ثلث محصولها. وواصلت الضرائب ارتفاعها في عهد إسماعيل، فإلى جانب الضرائب المقررة استحدثت ضرائب إضافية جديدة مثل ضريبة الإعانة وضريبة السدس وضريبة الري، وما تقرر من ضرائب على الدواب مثل عوائد الأغنام، وضرائب على الأشخاص مثل الفردة وضريبة الملح، التي كانت تفرض على كل من بلغ من العمر اثني عشرة سنة، وكذلك ضريبة النخيل وضريبة عتبة الديار وغيرها.
هذا وقد ضاعف من وطأة الضرائب على الفلاحين النظام التضامني الذي لجأت إليه سلطات محمد على لمواجهة العجز الناتج عن تجنيد الفلاحين والهرب من الأرض. وهذا النظام نقل عبء الضرائب كله إلى الفلاحين الذين استمروا في الأرض. بالإضافة إلى ذلك كان هناك تمييز في الضرائب بين الفلاحين وكبار الملاك وأصحاب النفوذ. فمنذ اللحظة الأولى أعفى أصحاب الابعاديات والجفالك من أية ضريبة وظلت هذه الأراضي تتمتع بالإعفاء حتى عهد سعيد حين فرضت عليها ضريبة العشر، وهى ضريبة رمزية فرضها سعيد على هذا النوع من الأراضي وقدرة بعشر المحصول.
المرحلة الناصرية
كانت الدولة في أشد الحاجة لاستخراج فائض كبير من الزراعة حتى تستطيع تمويل مشروعاتها الصناعية. وكان ذلك يستلزم إصلاحا زراعيا يتم من خلال مصادرة أطيان كبار الملاك وإعادة توزيعها على الفلاحين وخلق علاقة جديدة بين الدولة والفلاحين تسمح بزيادة وتطوير الإنتاج الزراعي من جانب، ونهب الفائض لصالح ميزانية الدولة من جانب آخر. وقد أجمع الكثير من الباحثين على أن المستفيد الأساسي من الإصلاح الزراعي لم يكن الفلاحين الفقراء، ولكنه كان البرجوازية الريفية والدولة. فقد ظل عدد الملكيات المتوسطة ثابتاً ما بين عامي 1952 و1965 وهو 184 ألف مالك، ولكن ما تغير هي المساحة التي كانوا يملكونها. ولم يحتفظ ملاك المساحات المتوسطة بنصيبهم من الأرض فقط، بل اكتسبوا نفوذ اجتماعيا وسياسيا في مناطق كان يسيطر عليها كبار ملاك الأراضي من قبل.
كما ذكر أحد الباحثين أن قوانين الإصلاح الزراعي لم تمتد آثارها إلى عمال الزراعة أو التراحيل. فعلى سبيل المثال فإن قانون الإصلاح الزراعي لعام 1952، والذي حدد الحد الأقصى للملكية بـ200 فدان، لم تتعد آثاره أكثر من 7% من ملاك الأراضي الزراعية التي وزعت على 150 ألف أسرة تشكل 5% من أسر الفلاحين العاملين بالزراعة. وقد أثرت سلسلة الإصلاحات فقط على 16% من الأراضي الزراعية، فقد تم توزيع 13% من هذه الأراضي على 10% من الأسر الفلاحية.
هذا وقد لعبت الأجهزة البيروقراطية المنوط بها تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي دوراً في مساندة كبار الملاك ضد المستأجرين، بدليل سيطرة أغنياء الريف على التعاونيات. كما التفت فلول كبار الملاك وسماسرة الاتحاد الاشتراكي على المكاسب الضئيلة التي تحققت للفلاح وأفرغوها من مضمونها، وأحالوا المؤسسات التي أنشئت لخدمة الفلاح (الجمعيات التعاونية، لجان فض المنازعات، اللجان المحلية) إلى أجهزة تخدم مصالحهم. وهكذا استمر صغار الزراع سواء مالكين أو مستأجرين معتمدين على جهودهم ومدخراتهم الضئيلة مما تركهم فريسة لمرابي الريف.
ولعل الجانب الأهم من الإصلاح الزراعي لم يكن في عملية توزيع الأراضي، ولكن في تدخل الدولة وسيطرتها على عملية الإنتاج الزراعي. فقد احتكرت الدولة كل مستلزمات الإنتاج الزراعي من بذور وسماد وميكنة، كما احتكرت تسويق المحاصيل بشكل كامل. وقد تم إنشاء الجمعيات التعاونية كأداة للسيطرة على الزراعة، وكانت تدار بواسطة مجلس إدارة تعينه الهيئة. كما تم إنشاء هيكل هرمي تجمعت في ظله التعاونيات، وكانت السلطة والرقابة النهائية في يد وزارة الإصلاح الزراعي في القاهرة. هذا وقد أصبحت الجمعيات التعاونية وسيلة لنهب الفائض الزراعي من قبل الدولة. ويعتبر التسويق الإجباري للمحاصيل الرئيسية التي تشتريها الحكومة بأسعار منخفضة عن أسعارها في السوق العالمي، وكذلك بيع المدخلات بأسعار مرتفعة، من أهم الأساليب التي اعتمدت الدولة عليها في استغلال الفلاحين. فعلى سبيل المثال كانت الحكومة تستورد طن السماد في أوائل الستينات بـ15-16 جنيها وتبيعه للفلاحين بـ25 جنيها، وكانت تشترى في عام 1970 قنطار القطن بـ14.5 جنيها من الفلاحين، وتصدره بـ20.5 جنيها. وقد كان الفرق بين أثمان شراء المحاصيل من الفلاحين في الداخل في سنة 1960 وبيعها في الخارج 60 مليون جنيه وهو ما عادل 20% من الميزانية العامة للدولة.
الإصلاح الاقتصادي في الزراعة
كانت لحظة البدء في تحرير القطاع الزراعي وانسحاب الدولة من التدخل المباشر في الإنتاج الزراعي، هي اللحظة التي أصبح فيها عبء استيراد الغذاء وزيادة التكلفة النسبية للمحاصيل الزراعية في السوق العالمي أكبر من الفائض الذي كان يستخرج لصالح الدولة من الريف. وقد بدأت عملية الإصلاح الاقتصادي في الزراعة المصرية منذ عام 1987 بمجموعة من الإجراءات وصلت عام 1999 إلى تحقيق الإلغاء الكامل للدعم على كل مستلزمات الإنتاج. وتم إلغاء الدعم على الفائدة الممنوحة للقروض الزراعية، كما تم إلغاء القيود على التركيب المحصولى، وتم تحرير قرارات المزارعين فيما يتعلق بالدورة الزراعية. وفى النصف الثاني من التسعينات تم تحرير تسويق وتجارة القطن، وتحرير العلاقة الايجارية للأراضي الزراعية.
وفى ظل تحرير الزراعة، تم استبدال نهب الدولة المنظم بفوضى السوق، حيث أصبح الفلاح يواجه السوق العالمية مباشرة. وكان أثر ذلك حادا على الفلاح الصغير الذي ليست لديه قدرة على مواجهة تقلب الأسعار. وقد كان تحرير أسعار مستلزمات الإنتاج معناه ارتفاعها بشكل كبير عقب قرارات الإصلاح. فقد تراوحت النسبة في الأسمدة بين 64% و 547% ، وارتفعت أسعار المبيدات ما بين 30% و 58%، والتقاوي بين 30% إلى 400%.
وقد أثبتت إحدى الدراسات ازدياد نصيب المدخلات الأخرى وانخفاض تكلفة العمل البشرى حتى جاء قانون الإيجارات الزراعية ليقلب المعادلة رأساً على عقب، حيث أصبح للقيمة الايجارية نصيب الأسد في تكلفة الإنتاج في الكثير من المحاصيل. فعلى سيبل المثال، وصلت قيمة الايجارية في محصول مثل البرسيم 58%من تكلفة الإنتاج.
هذا وقد أدى الإصلاح الاقتصادي في الزراعة إلى زيادة استغلال صغار الزراع وعودة نظم المزارعة بالمشاركة، وذلك تحت ضغط الحاجة إلى تأمين المعيشة. فالفلاح الصغير مضطر للعمل بالزراعة باعتبارها المجال الوحيد أمامه بحكم مهاراته وثقافته وعاداته. ولكن رفع الدعم عن مستلزمات الإنتاج وعدم تسليمها للفلاحين ومحاسبتهم آخر المحصول أدى إلى عدم مقدرة صغار الفلاحين على دفع هذه التكاليف بالإضافة إلى عدم مقدرتهم على دفع الإيجار المرتفع أصلاً. ومن ثم أصبحوا يقبلون أشكالا تجعلهم يدفعون من قوة عملهم أيام عمل بلا مقابل لصالح مالك الأرض في نظام المزارعة بالمشاركة.
ومن الآثار السلبية أيضاً للإصلاح في المجال الزراعي زيادة البطالة في الريف المصري. حيث تشير إحدى التقديرات إلى فقدان 700 ألف وظيفة في القطاع الزراعي خلال السنوات 1990-1995. وقد أشارت إحدى الدراسات الميدانية في قريتين في محافظتي البحيرة والمنوفية أن عدد أيام العمل على التوالي لكل فرد من القوى العاملة في كل قرية هو فقط 2,
37 يوم خلال العام كله في البتانون و5,8 يوم فقط طوال العام في كوم البركة.وقد كانت هناك نتائج مختلفة لعملية الإصلاح الاقتصادي في الزراعة على كل من صغار وكبار المزارعين. فبالنسبة لصغار المزارعين، نتج عن زيادة أسعار المدخلات مع انخفاض نصيب العمل البشرى في تكاليف الإنتاج تقليص الفائدة الناجمة عن زيادة أسعار المحاصيل. ومن ثم فقد انخفضت قدرتهم الشرائية، وهو ما أدى مع نقص الخدمات الأخرى التي تقدمها الدولة إلى السقوط في الدائرة الشريرة للفقر والجهل والمرض.
وبالنسبة لكبار المزارعين، أدى انخفاض الأجور إلى خفض تكاليف الإنتاج مع زيادة العوائد المحصولية بسبب ارتفاع أسعار المحاصيل. كما نتج عن ارتفاع القيمة الايجارية ارتفاع دخول كبار المزارعين. وهكذا نجد أنه مع التقدم التكنولوجي الذي يؤدى إلى تقلص استخدام العمل البشرى ومع زيادة الإنتاجية، والتوزيع غير العادل للعائد والدخل، يزداد التفاوت الطبقي في الريف.
وقد كان قانون الإيجارات الزراعية رقم 96 لسنة 1992 هو القشة التي قصمت ظهر البعير. حيث أثبت مدى انحياز الحكومة بكل أجهزتها إلى ملاك الأراضي. فقد قدر عدد المستأجرين الذين أضيروا من تطبيق القانون بـ 904 ألف مستأجر، أي بنسبة 31.1% من حائزى الأراضي الزراعية (هؤلاء كانوا يحوزون 16% من جملة الأراضي ويصل عدد أفراد أسرهم إلى 5.3 مليون نسمة).
وكان انحياز الدولة إلى الملاك عند تطبيق القانون سافرا، كما أشارت الأحداث التي وقعت في عديد من القرى، منها على سبيل المثال، قرى عزبة الزينى، ومنية النصر ، وقوته قارون، وأبعدية والى. ففي عزبة الزينى استعان المالك بالشرطة وذلك لانتزاع الأرض من الفلاحين، ولم تخذله قوات الشرطة فقد اقتحمت القرية 12 عربة أمن مركزي، وعدد من المصفحات، واستخدمت القنابل المسيلة للدموع، ودخلوا المنازل أخذوا ما بها من مواد غذائية وكتب التلاميذ وقاموا بإلقائها في الترع. كما ألقى القبض على 90 من أبناء القرية ومورس ضدهم التعذيب لتسليم الأرض، وما حدث في قوته قارون وأبعديه والى بالفيوم كان أكثر بكثير فقد تم حصار القريتين وقطع خطوط الاتصال التليفوني عنهما، وحرث الأرض بما فيها من محاصيل أمام أعين الفلاحين.


same
inta nafsyya ga7eem,,,betlet ba2a ellahga de