
تصوير محمد معروف
دروس الانتفاضات العالمية
دروس الإنتفاضات العالمية
جمال جبر
"البلد دى عايزة ثورة".. هذه هي كلمات أحد عمال منطقة أبو زعبل احتجاجاً على سياسة الحكومة المصرية لطرد العمال من مساكنهم. لكن ماذا تعنى الثورة بالنسبة لهذا العامل البسيط؟ كيف يرى التغيير الذي يحلم به؟ هل يقصد القضاء على الفساد والديكتاتورية وقيام ديمقراطية برلمانية دون المساس بأسس المجتمع الرأسمالي؟ أم يقصد ثورة شعبية تطيح بالديكتاتورية والاستغلال الرأسمالي في آن واحد وتدشن لمجتمع جديد قائم على العدل والحرية؟
الحقيقة أن جميع هذه الأسئلة ربما لم تدر بخلد هذا العامل، في حين كان كل همه هو صد هجوم الحكومة على مسكنه الصغير الذي أرادت طرده منه، وأصبح مقتنعاً أنه ليس هناك من وسيلة لتحقيق ذلك سوى الثورة. لكن هذه الأسئلة طرحت نفسها بقوة على خلفية التغيرات السياسية العالمية منذ أوائل التسعينات وتفجر حركات جماهيرية في مختلف مناطق العالم، في إطار أزمة النظام الرأسمالي العالمي. هذه الحركات التي أطاحت بديكتاتوريات عتيقة في جنوب شرق أسيا وأمريكا اللاتينية وبعض بلدان أوروبا الشرقية توقفت عند حد الإصلاحات الديمقراطية دون المساس بأسس النظام الرأسمالي الذي تسبب في تلك الأزمات الطاحنة التي دفعت هذه الجماهير للثورة. كما يلاحظ أن الرأسماليات المتقدمة في أوروبا وأمريكا شهدت تفجرات شعبية على خلفية الأزمة أيضاً ظهرت بوضوح في سياتل وجنوة وحركة مناهضة العولمة ثم حركة ضد الحرب، لكنها أيضاً لم تتبلور في اتجاه ثوري يهدف للانقضاض على أسس النظام الرأسمالي وتغييره. هناك غياب واضح للبديل الاشتراكي أو الثوري في جميع هذه الحركات، فكيف يمكن فهم ذلك؟ وأي آفاق أمام التغيير الثوري متاحة في عالم اليوم؟ وأهمية ذلك بالنسبة لعملية التغيير في مصر، خاصة مع تشابه الظروف في كثير من البلدان التي شهدت هذه التغييرات مع الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها مصر الآن.
ثورات لم تكتمل!
شهدت حقبة التسعينات وبدايات الألفية الجديدة سلسلة من الانهيارات لأنظمة الحكم الديكتاتورية على يد حركات شعبية من أسفل في مختلف أنحاء العالم، بداية بانهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر الثمانينات على أثر قيام انتفاضات شعبية أطاحت بالنظم الستالينية في بلدان أوروبا الشرقية. كما شهدت أواخر التسعينات سقوط نظام سوهارتو في إندونيسيا على يد حركة جماهيرية واسعة قادها الطلاب. ومع بزوغ فجر الألفية الجديدة تجدد شباب القارة الثائرة، أمريكا اللاتينية، لتشهد أهم وأوسع الحركات الجماهيرية ضد الديكتاتورية والليبرالية الجديدة في الحقبة الماضية، في الإكوادور والأرجنتين وبوليفيا والبرازيل فنزويلا.
كانت الانهيارات المدوية لنظم رأسمالية الدولة في الإتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية في بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا وألمانيا الشرقية ورومانيا.. وغيرها، على يد انتفاضات شعبية واسعة إيذانا بمرحلة جديدة من الحركات الجماهيرية ضد ديكتاتورية النظم الستالينية وهذا الشكل من الاستغلال الرأسمالي القائم على تحكم الدولة.
فقد وصل قطار الستالينية في تحقيق التراكم الرأسمالي باستخدام قهر الدولة وبيروقراطية الحزب إلى آخر محطة. حيث لم يعد قادرا على إتباع نفس الأدوات القديمة في تحقيق التراكم والمنافسة على الصعيد العالمي. بدا ذلك واضحاً في أزمات اقتصادية طاحنة أرهقت السوفييت على مدار السنوات وفشلت معها كل وسائل الترقيع. حيث انهارت معدلات النمو الاقتصادي من 5.7% في النصف الأول من السبعينات إلى 4.3% في النصف الثاني من السبعينات ثم إلى 3.6% في بداية الثمانينات. ولم تكن مظاهر الأزمة في الاقتصاد وفقط. فعلى حد قول الاشتراكي البريطاني كريس هارمن ".. كان الجيش قد غاص عميقاً في مستنقع حرب أفغانستان لم يكن بمستطاعه أن يكسبها، وكانت اللامبالاة والفساد منتشرين داخل البيروقراطية، بما في ذلك أفراد بريجنيف ذاته.. ويتبين عمق اغتراب غالبية السكان من الاستهلاك المتصاعد للخمور ومن الأنصار المتزايدين بين الجيل الأصغر لموسيقى الروك العدمية.. وقد اعترف بالأخطار التي يترتب عليها هذا الوضع رئيس المخابرات السوفيتية "أندربوف"، الذي تولى السلطة بعد برجينيف في عام 1982، وهذا هو السبب في أنه جلب جيلاً جديداً من رجال الجهاز الحزبي من الأقاليم إلى قيادة الحزب في موسكو، أصبح جورباتشوف أبرزهم...".
ومع صعود جورباتشوف إلى السلطة بدأت مظاهر الأزمة تترجم على الأرض إلى تحركات من أعلى ومن أسفل. حيث أعلن جورباتشوف عن سياسة البيريسترويكا (إعادة البناء أو إعادة الهيكلة) والجلاسنوست (الانفتاح)، الذين سعى من خلالهما إلى إحداث إصلاحات هيكلية في البنية الاقتصادية والسياسية في الإتحاد السوفيتي للحيلولة دون التراجع المفجع لمعدلات التراكم. لكن هذه السياسات كانت بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، حيث تفاقمت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية واندلعت الاضطرابات في كافة أنحاء الجمهوريات السوفيتية في شكل إضرابات عامة وصراعات قومية، وصلت أحيانا إلى حد الحرب الأهلية والانتفاضات المسلحة.
ولم يكد عقد الثمانينات ينتهي حتى أخذت أنظمة رأسمالية الدولة والنظم الستالينية في الإتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية تتساقط الواحدة تلو الأخرى تحت وطأة الانتفاضات الجماهيرية. وكما رصد كريس هارمن في كتابه "العاصفة تهب"، فقد بدأ مسار التغيير في بولندا والمجر. ففي ربيع وصيف عام 1988 وقعت في بولندا موجتان من الإضرابات الواسعة، وفى المجر انطلقت المظاهرات المعارضة بمئات الآلاف وتكونت أعداد كبيرة من الأحزاب، وهزم مرشحو الحزب الحاكم في سلسلة من الانتخابات الفرعية.
كانت التغييرات التي حدثت في بولندا والمجر بمثابة الشرارة التي أشعلت النار في الهشيم. حيث انتقلت عدوى الانتفاضة إلى ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا. فقد استطاعت المعارضة الضعيفة والصغيرة في ألمانيا الشرقية أن تقوم بمظاهرتها الأولى التي قدرت بعدة آلاف في درسدن في أوائل أكتوبر 1988. ثم جذب عنف هجمات الشرطة على هذا الاحتجاج آلافاً أخرى إلى الشوارع في اثنتي عشر مدينة في الأيام التالية، حتى أصبحت قيادة الحزب الحاكم معزولة ويائسة. وفى تشيكوسلوفاكيا قرر الطلبة أن يخططوا لمظاهرة في 17 نوفمبر من عام 1988 بمناسبة إحياء الذكرى الخمسين للاحتجاجات الطلابية على استيلاء النازي على البلاد. وكانت المظاهرة أضخم مما توقعت الحكومة والمعارضة على السواء، مما دعا الحكومة إلى إرسال قوة ضخمة من قوات مكافحة الإرهاب لتهاجم وتسحق المتظاهرين. وفى عطلة نهاية الأسبوع أعلن الطلاب الإضراب في كل أنحاء البلاد، كما انضم الآلاف من الناس إلى المظاهرات، وتشكلت بشكل عفوي فرق تجوب كل البلاد لتشرح للناس في كل موقع عمل وكل مدينة وقرية ما يجرى في براغ. وفجأة تحولت الجماعة المعارضة، المنتدى المدني، إلى حركة جماهيرية أظهرت قوتها في 27 نوفمبر عن طريق تنظيم إضراب ناجح للغاية لمدة ساعتين في كل أنحاء البلاد.
وعلى حد وصف كريس هارمن كانت الأحداث في رومانياً أقرب إلى المشهد الكلاسيكي للثورة. حيث كانت البلد الوحيد الذي استخدم فيه العنف المسلح على نطاق واسع من قبل الديكتاتور الروماني السابق شاوشيسكو لقمع العمال المضربين والمتظاهرين في الشوارع. لكنه فشل في قمع الحركة والقضاء عليها، واستطاعت الجماهير الثائرة السيطرة على مقار الشرطة وأسلحتها، وانتهى الأمر إلى إعدام شاوشيسكو وزوجته.
وإذا كانت نهاية الثمانينات وبداية التسعينات قد شهدت سقوط أنظمة رأسمالية الدولة على يد ثورات جماهيرية لم تكتمل، فقد شهدت نهاية العقد نفسه وبداية الألفية الجديدة انفجارات لا تقل أهمية عن الانفجارات التي أطاحت برأسمالية الدولة، ولكنها كانت هذه المرة ضد سياسات الليبرالية الجديدة التي اجتاحات العالم وبشرت بها الرأسمالية العالمية باعتبارها نهاية التاريخ. قامت الجماهير الثائرة في كل من إندونيسيا والأرجنتين والإكوادور وبوليفيا وغيرهم ممن تجرعوا وصفة صندوق النقد والبنك الدولي، قاموا ليعلنوا أن التاريخ لم ينته بعد، بل يواصل مسيرته، وأن حركتهم هي التي تحدد ملامح هذه المسيرة.
في أقصى الشرق من الكرة الأرضية، في إندونيسيا، سقطت ديكتاتورية سوهارتو التي استمرت 32 عاماً على يد انتفاضة الجماهير عام 1998. فبعد سلسلة من المظاهرات الطلابية الدامية احتجاجاً على تداعيات الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي شهدتها النمور الآسيوية، وفى القلب منها إندونيسيا، عام 1997. ولم يمض وقتاً طويلاً حتى انضمت قطاعات أخرى من المهمشين والعمال إلى الطلبة المتظاهرين، واشتعلت العاصمة جاكرتا بالغضب وامتدت الأيدي الثائرة للنيل من النظام في شكل رموزه من البنوك والمصالح الحكومية وغيرها. وصلت الأحداث إلى ذروتها في التاسع والعشرين من مايو حين احتل أكثر من ثلاثين ألفاً من الثائرين البرلمان ورفعوا شعاراً ضخماً يقول "أعيدوا السلطة إلى الشعب، يكفى 32 عاماً من الديكتاتورية"، وبعد يومين ظهر سوهارتو على شاشات التليفزيون معلناً استقالته ليأتي نائبه يوسف حبيب رئيساً للجمهورية.
السيناريو يتكرر بروايات مختلفة في أقصى غرب الكرة الأرضية في القارة الثائرة أمريكا اللاتينية. حيث شهدت بداية الألفية الجديدة سلسلة من الانتفاضات الجماهيرية أطاحت بالديكتاتوريات الحاكمة احتجاجا على الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها سياسات الليبرالية الجديدة هناك.
فخلال أربعة أسابيع فقط تداولت الأرجنتين 4 رؤساء في أعقاب الانتفاضة التي اجتاحت البلاد في 19ـ20 ديسمبر 2001 على أثر إعلان الحكومة الأرجنتينية تجميد ودائع العمال والمواطنين في البنوك، وتخفيض الأجور والمعاشات للقطاع الحكومي، ثم إعلان حظر التجوال بعد مهاجمة العاطلين لمحلات السوبر ماركت الكبيرة للحصول على الطعام، وانتهى الأمر بوصول البيرونى "دوهالدى" إلى منصب الرئاسة، ليدشن محادثات مكثفة مع صندوق النقد الدولي للخروج من الأزمة!
كما شهدت الإكوادور أيضاً سقوط ثلاث حكومات متتالية كان أولها عام 2000 حين انتفض الآلاف من المواطنين احتجاجاً على السياسات الاقتصادية التي أفقرت قطاعات واسعة من الجماهير. حيث انخفض الناتج المحلى الإجمالي للبلاد بمقدار 7% عن العام السابق ووصل التضخم إلى 60%. وقد اجبر تصاعد الانتفاضة الرئيس "جميل ماهود" على الهروب خارج البلاد. لكن رغم سيطرة قادة الجيش على الحركة ودحر اللجان الثورية المشكلة، إلا أن الاحتجاجات استمرت على مدار السنوات الثلاث التالية. حيث شهد عام 2001 صدامات مسلحة وإضرابات وقطع للطرق. كذلك في نهاية 2002 هزم الليبراليون الجدد في الانتخابات الرئاسية لصالح التحالف الذي يقوده "جاتريز" أحد قادة الانتفاضة الأولى في عام 2000.
ولم يكد يمر عامان على هروب الرئيس الإكوادورى مستقلاً طائرة هليكوبتر حتى لحقه بنفس الطريقة الرئيس البوليفى "سانشيز دى لوزادا" عام 2003 على أثر انتفاضة الفلاحين المسلحين بالأسلحة البيضاء والمناجل والفؤوس، ومعهم العمال، في أعقاب إعلان الحكومة تصدير الغاز الطبيعي إلى شيلى. لكن الحقيقة أن انفجار 2003 جاء كحصاد موجات متلاحقة من الاحتجاجات والمواجهات الدامية بدأت عام 2000 مع إعلان الحكومة خصخصة قطاع المياه، ثم ارتفعت حدة المواجهات مع زيادة الضرائب في فبراير 2003.
أين توقفت حركة الجماهير؟!
هكذا رأينا أن رياح الثورة انتشرت في العالم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ضد أساليب التراكم الرأسمالي، سواء كانت في شكل رأسمالية الدولة كما مثلتها دول أوروبا الشرقية والإتحاد السوفيتي المنهار، أو في شكلها الحديث تحت راية الليبرالية الجديدة. هذه الانتفاضات تدحض بما لا يدع مجالاً للشك كل الادعاءات البرجوازية حول أفول عصر الثورات الجماهيرية ونهاية التاريخ لصالح الرأسمالية. لكن يجب النظر بشكل مدقق إلى نتائج هذه الانتفاضات حتى يمكن تحديد آفاقها.
الملاحظة الأولى هنا أن هذه الانتفاضات شملت الحلقات الضعيفة داخل منظومة العالم الرأسمالي، أي تلك التي لم تستطيع الاستمرار في المنافسة العالمية نظراً لعدم قدرتها على التراكم بالنمط المتبع، سواء في دول رأسمالية الدولة السابقة، أو الدول التي اتبعت وصفة الليبرالية الجديدة، والحقيقة أن أزمة هذه المجتمعات هي تعبير عن أزمة النظام الرأسمالي العالمي ككل.
الملاحظة الثانية أن جميع الانتفاضات الجماهيرية التي اشتعلت في تلك المجتمعات توقفت عند حد التغييرات السياسية، أو الإطاحة بالديكتاتورية واستبدال الكراسي مع بعض التحسينات في شكل النظام السياسي دون المساس بأسس النظام الاجتماعي الرأسمالي التي خلقت الأزمة وتنتج الاستغلال والقهر باستمرار. وقد ظهر ذلك بوضوح في المآل الذي آلت إليه هذه الحركات. ففي أوروبا الشرقية، في بولندا مثلاً، قبلت حركة "تضامن" بزعامة ليخ فاونسا التي قادت الحركة الاشتراك في الحكومة الجديدة الملتزمة بإعادة البناء بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي بما يمليه عليها ذلك من برامج للخصخصة والاتجاه المتسارع نحو آليات السوق. كذلك في رومانيا حيث انقلب قادة الجيش على الحركة التي أبدوا تأييدهم لها في البداية، واحتكر الجنرالات القدامى في جيش الديكتاتور زمام الأمور، كما بقيت السيطرة على المشروعات في ذات الأيدي، وظلت القرارات التي تؤثر في الاقتصاد ككل يتخذها أشخاص كانوا شخصيات قيادية في الحزب الحاكم القديم، حدث نفس الشئ بدرجات متفاوتة في كل من تشيكوسلوفاكيا والمجر. وفى إندونيسيا ذهب سوهارتو ليحل محله نائبه يوسف حبيب، ثم ميجاوتى سوكارنو، التي دعمت قبضتها من خلال سيطرة جنرالات جيش الديكتاتور السابق على زمام البلاد.
لم يختلف الوضع كثيراً في أمريكا اللاتينية. حيث صعدت القيادات الإصلاحية لتنحرف بالحركة من التغيير إلى المساومة ومحاولة تحسين الأوضاع من خلال مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وهو ما حدث في الأرجنتين في أعقاب صعود دوهالدى بتأييد قادة الحركة أمثال "كتشنر"، و"مورالز" أحد قادة الحركة في بوليفيا، و"كاترييز" في الإكوادور.
لماذا توقفت الانتفاضة عند هذه النقطة ؟ لماذا لم تنتقل إلى التغيير الاجتماعي؟ هنا يمكن رصد سببين رئيسيين، أولهما غياب واضح لحركة اليسار الثوري في هذه الحركات، وعدم ارتباطه بجذور حقيقية داخل الجماهير في أي من هذه البلدان، وربما يعود ذلك في الحقيقة إلى السبب الثاني، الذي يتمثل في التراث السيئ الذي خلفته الستالينية عن الاشتراكية كبديل اجتماعي على مدار تجربة الإتحاد السوفيتي الطويلة التي شوهت التجربة الاشتراكية، والمحاولات المستمرة للصق الاشتراكية بالستالينة، حتى أصبح سقوطها – أي الستالينية – يساوى سقوط الاشتراكية، وهو ما فرض على اليسار الثوري في العالم أجمع مهام جسام لتصحيح الصورة وإعادة خلق الجذور بالطبقة العاملة والجماهير، حتى تصبح في القلب منها لحظة الانتفاضة، لاسيما وأن نسبة نجاح الإصلاحيين الجدد في حل الأزمة ضعيف للغاية، ولا تعدو كونها محاولة لن تستمر كثيراً لعرقلة حدة الصراع، لكن سرعان ما سوف تنفجر المواجهات مجدداً، طالماً استمر نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يتوحش تحت ضغط أزمته.
ويكتسب هذا الأمر أهمية كبيرة بالنسبة لنا في مصر، حيث تتطابق معظم الشروط الموضوعية للأزمة مع تلك البلدان التي شهدت انتفاضات جماهيرية. فليس خاف على أحد احتدام الأزمة الاقتصادية والسياسية، حيث معدلات الفقر المتنامية دون توقف، مع ارتفاع جنوني للأسعار لم يسبق له مثيل، ومعدلات بطالة تقفز بشكل غير مسبوق، بالإضافة إلى رائحة الفساد النتنة المنبعثة من قصور الطبقة الحاكمة ورموزها، وصراعات النخبة الحاكمة التي أصبحت على الملأ، كل ذلك يشبه كثيراً المشهد عشية الانتفاضات السابقة.
هكذا يصبح على اليسار الثوري مهمة كبرى في الاستعداد للحظة الانتفاضة القادمة، بالتواجد الحقيقي داخل الحركة، وخلق جذور متينة داخل الجماهير المصرية، حتى يصبح جزءا منها يمكنه التأثير فيها وتوجيهها نحو التغيير المنشود.

