سورية... إلى متى هذا الركود

( )

سورية: إلى متى هذا الركود؟

منيف ملحم

لم تسلم سوريا مؤخرا، مثلها مثل غيرها من بلدان المنطقة، من حديث التغيير والإصلاح. الكاتب السوري منيف ملحم يحلل تطورات السنة الخامسة من حكم الرئيس بشار الأسد داعيا إلى تجاوز حالة الركود الراهنة والتي تؤثر على كافة مناحي الحياة.

بعد عقد ونيف من سنوات الركود التي عرفتها سورية بدءاً من النصف الثاني من عقد الثمانينيات من القرن الماضي إبان حكم الرئيس الأسد الأب بدا أن سورية مقبلة على مرحلة جديدة من حياتها السياسية بعد تسلم الرئيس الأسد الابن مهامه الدستورية كرئيس للجمهورية. فقد عادت الحياة السياسية إلى المجتمع وان كان بشكل حذر وسلحفاتي بعد اشهر من "العهد الجديد".... فخلال السنوات الثلاث من حكم الأسد الابن عرفت سورية ظاهرة المنتديات التي شكلت نقطة البداية في الحراك السياسي والمجتمعي. كما ظهرت إلى العلن غير المقنن الأحزاب السياسية التي تعرضت إلى القمع والتدمير خلال عقد الثمانينيات، أو الأحزاب الجديدة والمتجددة، وظهر العديد من الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية الجديدة.

 

ذروة الحراك السياسي

لقد شكلت الفترة الممتدة من حصار جنين إلى سقوط بغداد ذروة في الحراك السياسي والاجتماعي، حراكاً لم تعرفه سورية منذ عقود. حراكاً لم يكن ما يميزه نشاط القوى السياسية المعارضة من خلال الأدب السياسي الذي ازداد تواتره من خلال صحفها وبياناتها أو من خلال استخدام الصحف والجرائد اللبنانية للتعبير عن موقفها وآرائها، وإنما ميزته مشاركة قطاعات اجتماعية جاءت من خارج الجسم السياسي التقليدي. بالترافق مع هذا الحراك، وكأحد أسباب انطلاقه، بدا وكأن النظام مقبل على إعادة تجديد نفسه بعد أن جدد رأسه وبعد الوعود التي أطلقها الرئيس الشاب تحت شعار "التطوير والتحديث".

ولكن إذا كانت المعارضة قد ركزت مطالبها على الحقل السياسي بـاعتباره مفتاح عملية الإصلاح في سورية فان النظام اعتبر أن الإصلاح الاقتصادي والإداري هو ما تحتاجه سورية في هذه المرحلة.

            وبناءً على هذه الرؤية للإصلاح فقد أصدر النظام خلال الأعوام الأربعة من عمره مئات المراسيم والقرارات الاقتصادية والإدارية كما تم تشكيل العديد من اللجان الحكومية مع الاستعانة بخبراء فرنسيين من اجل إصلاح الجهاز الإداري كما تم إجراء تغيير وزاري للمرة الثالثة.

لاشك في أن الاقتصاد السوري يحتاج إلى إصلاح منذ فترة طويلة، فالأزمة الاقتصادية في سورية تعود كما ذكرنا سابقاً إلى النصف الثاني من عقد الثمانينيات من القرن الماضي وهي السنوات التي عرفت لدى السوريين بسنوات الركود. وهي السنوات التي أعقبت انتصار النظام على معارضيه في الداخل من خلال تدمير المعارضة بكل تكويناتها وألوانها ونشر حالة من الرعب والخوف في كل ثنايا المجتمع. كما إنها السنوات التي شكلت انعطافاً في السياسة الخارجية للنظام من خلال دخول النظام في التحالف الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية لما سمي بحرب "تحرير" الكويت وبدء المفاوضات السورية الإسرائيلية من خلال مؤتمر مدريد وما بعده والتي استمرت ما يقرب من العقد دون أن تعطي نتيجة.

كما أن الجهاز الإداري وعلى كل المستويات بلغ حداً من الترهل والفساد والفوضى لم يسبق له مثيل. وإذا كان الفساد والفوضى والترهل قد لازم النظام منذ ولادته في أوائل السبعينيات، فان سنوات الركود شكلت الذروة في هذا المجال. فبعد انتصار النظام على معارضيه في الداخل واعتقاده أن هناك إمكانية للتصالح مع العدو الصهيوني من خلال مدريد وما تلاه، أطلق يد أتباعه و محازبيه ليستبيحوا الوطن وما فيه.

 

الركود عنوان السنة الخامسة

مع دخول العهد الجديد سنته الخامسة يكون الركود وعلى كل المستويات هو السمة الأكثر بروزاً في الوضع السوري. فمن دون خجل تعلن حتى صحف النظام عن فشل الإصلاحات الاقتصادية والإدارية التي كانت مدار حديث كل المسؤولين السوريين خلال الأعوام الماضية من "العهد الجديد". والتردي يشمل كل المجالات. فقطاع الدولة ومؤسساتها الاقتصادية تسير من سيء إلى أسوأ والمسئولون السوريون دوخوا المواطنين بين إعلان أحدهم أن الخصخصة و بيع قطاع الدولة ومؤسساتها هي الخيار الاستراتيجي للنظام، وإعلان الآخر أن تعزيز قطاع الدولة هو خيار الدولة التي لن تتخلى عنه. وبين هذين الخيارين يستمر انخفاض مستوى المعيشة للطبقات الشعبية وتزداد البطالة وتتسابق المافيات السورية على نهب ما تبقى في الوطن.

أما على الصعيد السياسي، فان إغلاق المنتديات والذي كان الخطوة الأولى في التراجع عن إطلاق الحياة السياسية للمجتمع ومن ثم إحالة الناشطين إلى المحاكم الاستثنائية (محكمة أمن الدولة، القضاء العسكري) وصدور أحكام قاسية بحقهم وقمع الحركة الطلابية وإحالة ناشطيها إلى المحاكم الاستثنائية والطريقة الأمنية التي تعامل بها النظام مع التحركات التي شهدتها المناطق التي يعيش فيها الأكراد، كلها تطورات أعادت الحياة السياسية والمجتمع إلى القوقعة التي حاول الخروج منها مع بداية "العهد الجديد".

أما على صعيد السياسة الخارجية فإن محاولات النظام بعد الاحتلال الأمريكي للعراق استرضاء الإدارة الأمريكية يظهر أنها منيت بالفشل أمام تعنت هذه الإدارة ومطالبها التعجيزية. وتبقى السياسة السورية تتأرجح بين الإعلان عن التعاون الأمني بين النظام والإدارة الأمريكية، والتباهي بان هذا التعاون قد أفشل سبع عمليات عسكرية كانت موجهة ضد القوات الأمريكية، وبين الإعلان عن حق الشعب العراقي في مواجهة الاحتلال الأمريكي.

إن السياسة الخارجية السورية تبدو لبعض المراقبين سياسة نشطة وفعالة. ولكن باعتقادنا وعلى الرغم من أن الرئيس الشاب ضرب رقماً قياسياً في جولاته العربية والخارجية في محاولة لإخراج سورية من الحصار الذي تحاول الإدارة الأمريكية تطبيقه على سورية ــ سواء من خلال ما سمي بقانون محاسبة سورية أو من خلال جر أطراف أوروبية وغير أوروبية إلى الموقف الأمريكي ــ نقول على الرغم من هذه الجولات المكثفة فان الأمور تسير من سيء إلى أسوأ. والدليل على ذلك أن من كان يعتبر في السنوات الماضية من أصدقاء النظام في أوروبا (فرنسا) يتشددون في مطالبهم من النظام محاولين المزايدة على الموقف الأمريكي.

إن الركود الذي يسيطر على جميع مناحي الحياة في سورية في ظل عالم متغير ومتبدل أصبح يشكل خطراً لم يعد هناك إمكانية لتفاديه من خلال إصلاح هنا أو هناك، إصلاح يتم استهلاكه قبل أن يرى النور. وإنما المطلوب إجراء تغيير يشمل جميع مناحي الحياة وفي مقدمتها الحياة السياسية من خلال الانتهاء من الدولة الأمنية وإطلاق الحريات لقوى المجتمع التي يسحقها الركود. فهذه القوى المسحوقة والمهمشة وحدها القادرة على رسم حاجاتها في التغيير الاقتصادي والاجتماعي ووحدها القادرة على حماية الوطن من التهديدات والمخاطر التي تطلقها القوى الإمبريالية وقوى الرأسمالية المعولمة.